فهرس الكتاب
ومما يستدلون به على بطلان الاستثناء المتأخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأتي الذي هو خير) ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ناصح أمين لأمته، فلو كان اليمين يمكن أن ينحلَّ بالاستثناء من دون كفارة لما أوجب عليهم الكفارة.
لكن هناك قول لبعض العلماء ولعله هو القول الأقرب للصواب أن الاستثناء يجوز إذا كان التأخير يسيرًا وفي المجلس , وهذا في غير حقوق الآدميين، أما في حقوق الآدميين كما في القضاء فإنه لا يحكم به وإنما يمكن أن يحكم به في الأيمان فيُدَيَّن إن كان قد نوى الاستثناء من قبل ولكنه لم ينطق به إلا متأخرًا فيُدَيَّن في ذلك، هذا قاله بعض العلماء وله وجه وربما استدلوا له بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما حرّم مكة وقال: (لا يختلي خلاها ولا يعضد شوكها، فقال العباس إلا الإذخر يا رسول الله فقال: إلا الإذخر) فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد سكت سكوتًا يسيرًا ولكن العباس ذكّرَهُ وقال: (إلا الإذخر، فقال هو: إلا الإذخر) وأصبح الإذخر مما يستثنى؛ لأنهم كانوا يستفيدون منه في بناء دورهم، وفي صناعة سيوفهم، وحليهم؛ لأنه توقد به النار.
قال: (ويجوز تقديم الاستثناء على المستثنى منه) مثل قولك: ما قام إلا زيدًا أحدٌ, وإلا محمدًا جاء القوم , وجواز تقديم الاستثناء على المستثنى منه، لا يترتب عليه كبير فائدة.
والقائلين بذلك استدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (إني والله -إن شاء الله- لا أحلف على يمين وأرى غيرها خير منها إلا كفَّرت عن يميني وفعلت الذي هو خير) فالتعليق بالمشيئة هنا يفهم منه الاستثناء ولا يقصد منه التعميم, فلو لم ترد كلمة إن شاء الله في سياق الكلام لكانت العبارة: إني والله لا أحلف على يمين وأرى غيرها خير منها إلا كفَّرت عن يميني وفعلت الذي هو خير، فيترتب على ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - كلما حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منها لابد له أن يكفر، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - علقها على المشيئة حتى لو حصل مرة من المرات وحلف على يمين، ورأى غيرها خير منها ثم لم يكفر وإنما أمضاها لا يكون قد حنث، فقوله (إن شاء الله) هذا بمثابة الاستثناء.
قال: (ويجوز الاستثناء من الجنس ومن غيره) هذه المسألة بعضهم يجعلها في الشروط، ويقول يشترط في الاستثناء أن يكون من الجنس , فلا يصح أن تستثني الدراهم مثلًا من الدنانير، فلو فعلت ذلك يكون هذا الاستثناء باطل؛ لأنه استثناء من غير الجنس , وإذا ورد ما في صيغته الاستثناء من غير الجنس نحمله على معنى الاستدراك ويكون بمعنى لكن، قال تعالى: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَاثِيمًا 25} إِلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا {26} فهل قول {سَلامًا سَلام} هو من اللغو والتأثيم؟ لا , ليس من جنسه، فنحمل"إلا"على معنى"لكن"فلا تكون بمعنى الاستثناء. إذن المسألة محل خلاف، في أنه هل يشترط أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه؟
-فمن العلماء من اشترط ذلك، وقال: لا يجوز أن تستثنى من الشيء إلا ما هو من جنسه.
-ومنهم من لم يشترط ذلك والمصنف مع الذين لا يشترطون وهو الصحيح -إن شاء الله-.
فعلى ذلك يجوز أن نستثني من الدنانير دراهم ومن الدراهم دنانير، فلو قال له: علي ألف دينار إلا خمسين درهمًا نقول: ننظر ماذا تساوي الخمسين درهم من الدنانير، وعملاتنا اليوم مثلًا لو قال له علي ألف ريال إلا عشرة دولارات، نقول: ننظر ماذا يساوي عشرة دولارات بالريالات، فنحسمها وما بقي منه هو قد أقر به واعترف، وأما ما استثناه فإنه يكون قد أنكره ولم يعترف به، هذا هو الصحيح -إن شاء الله-.
فهذه مسألة يستفيد منها القضاة والمفتون في مجال الإقرار وفي مجال الوصايا، والأيمان؛ لأن نصوص الشرع يعني لا تكثر فيها هذه الأمثلة.
قال المصنف:(وَالشَّرْطُ: يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ الْمَشْرُوطِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَنِ الْمَشْرُوطِ.
وَالْمُقَيَّدُ بِالصِّفَةِ: يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ، كَالرَّقَبَةِ قُيِّدَتْ بِالإِيمَانِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَأُطْلِقَتْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ).
نقول الشرط أيضًا من المخصصات المتصلة , والشرط المقصود هنا: الشرط اللغوي، فإذا ذكر الشرط في باب التخصيص، فمقصودهم الشرط اللغوي، أي الذي يكون بأدوات الشرط المعروفة، مثل (إن، من , ما) .