فهرس الكتاب
مثال ذلك: اليد مثلًا في القطع {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} لم يقل من أين تُقطع وإنما جاءت مطلقة {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} فيحتمل أن يكون المراد تقطع من الكوع وأن تقطع من المرفق أو تقطع من المنكب وفي الوضوء قال: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} ولكن الحكم هنا مختلف تمامًا , في أحد الآيتين الحكم هو القطع وفي الآية الثانية الحكم هو الغسل, فلا نحمل المطلق على المقيد ونقول ما دام أن اليد وردت مقيدة في الوضوء فليكن القطع مثلا في المرفق.
* هناك من الشافعية من توسعوا قليلًا وقالوا: أنه إذا اختلف الحكم والسبب واحد يمكن أن نحمل المطلق على المقيد لمجرد الاتفاق في السبب ومثّلوه بآية الوضوء وآية التيمم ففي الوضوء قال: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} وفي التيمم قال: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} ولم يذكر إلى أين نمسح من اليد فبعض الشافعية قال: ينبغي أن يحمل المطلق على المقيد؛ لأن السبب واحد (سبب الوضوء والتيمم واحد) وهو إرادة الصلاة , فيقولون: إذا تيمم يسمح وجهه ويديه إلى المرفقين.
ولكن هذا القول مرجوح لأمور:
أولًا: لأن الحكم مختلف.
ثانيًا: لأنه قد ورد نص صريح في صفة التيمم وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما كان يكفيك أن تقول بيدك هكذا ثم ضرب بيده الأرض فمسح وجهه بباطن كفيه ومسح ظهور الكفين بعضهما ببعض) فهذا نص صريح في صفة التيمم بالإضافة إلا مخالفة ما قعدناه وذكرناه من أن العبرة بالحكم, وأنه إذا اتفق الحكم حُمِل المطلق على المقيد, وإذا اختلف فلا يحمل المطلق على المقيد.
* ينبغي أن نعرف أن الإطلاق والتقييد أمر نسبي فقد نقول هذا مطلق وهذا مقيد ثم إن هذا المقيد هو بالنسبة إلى صفة أخرى مطلق فالرقبة مثلا في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} هي مقيدة من حيث الدين بالإيمان , لكن هي مطلقة من حيث الجنس (ذكر أم أنثى) وكذلك مطلقة من حيث السن , ومن حيث القيمة.
المخصصات المنفصلة:
قال المصنف: (وَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ، وَتَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، وِتَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ، وَتَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ، وَتَخْصِيصُ النُّطْقِ بِالْقِيَاسِ، وَنَعْنِي بِالنُّطْقِ قَوْلَ اللهِ سُبْْحَانَهُ وَتَعَالَى وَقَوْلَ الرَّسُولِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ) .
انتقل المصنف هنا ليذكر أنواع المخصصات المنفصلة؛ لأنه قبل ذلك ذكر المخصصات المتصلة، وهنا سيشرع في ذكر المخصصات المنفصلة, وهي القسم الثاني من المخصصات فهو في بداية الكلام عن التخصيص قال: (هو منقسم إلى متصل ومنفصل) .
والمخصصات المنفصلة هي الأدلة: فالكتاب يصلح مخصصا والسنة والإجماع والقياس, هذه كلها تصلح مخصصات وكل من عدَّ دليلا يمكن أن يعده من المخصصات, فمن رأى أن رأي الصحابي حجة مثلًا يعده من المخصصات, ومن رأى أن شرع من قبلنا حجة يعده من المخصصات وهكذا.
أولًا: تخصيص النص بالنص:
(1) تخصيص الكتاب بالكتاب: كما في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} أي ينتظِرْن ولا يتزوجْنَ لمدة ثلاث حِيض, فهذا لفظ عام"المطلقات"كلُ مطلقة , فلو أخذناه على عمومه لقلنا كل مطلقة يجب عليها ذلك, ولكن القرآن خصص هذا العموم فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} فقوله: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} أي أن المطلقة قبل الدخول ليس لها عدة ولا تتربص ثلاثة قروء, وهذا أمر يعد مخصصًا لعموم الآية.
(2) تخصيص القرآن بالسنة: كما في قوله تعالى في آيات المواريث: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} خُصصت بعدة مُخصصات منها حديث (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) , ومنها حديث (ليس لقاتل شيء) فلو أن أحد من الأبناء قتل والده فلا يستحق شيئًا من الإرث.