فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 78

(3) تخصيص السنة بالسنة: كما في قوله - صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء والعيون العشر) فقوله"ما"هنا عام, فلو أخذ قوله - صلى الله عليه وسلم - على ظاهره لقيل: كل ما يخرج من الأرض مما تسقيه السماء أو العيون العشر, ولكن في حديث آخر بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه (لا زكاة فيما دون خمسة أوسق) أي ما لم يبلغ الخارج من الأرض خمسة أوسق فإنه لا زكاة فيه، فهذا الخبر مُخصصٌ لعموم قوله: (فيما سقت) فلفظ"ما"هنا كان في الأصل عامًا يشمل القليل والكثير, ولكن لما ورد حديث: (لا زكاة فيما دون خمسة أوسق) عرفنا أن الزكاة إنما هي في الخمسة أوسق وما زاد عن ذلك.

(4) تخصيص السنة بالقرآن: كما في قوله - صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) خصصه جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة بأن المراد به الإمام والمنفرد, وأما المأموم فلا يجب عليه قراءة الفاتحة خلف الإمام وخصصوا ذلك من قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} فالقرآن دل على أنك إذا سمعت الإمام يقرأ في الصلاة يجب عليك أن تستمع وتنصت, والإمام أحمد يحكي الإجماع والاتفاق على أن هذه الآية وردت في القراءة في الصلاة, فهذا يُعد مخصصًا لعموم الحديث.

* هذا القسم قد خالف فيه بعض العلماء وقال: الأصل أن السنة هي التي تبين القرآن وليس القرآن هو الذي يبين السنة, ولكن الجمهور يقولون هو جائز والمصنف ممن يرى جوازه.

ثانيًا: تخصيص النص بالقياس:

ذكر المصنف أيضًا أن النطق قد يخصص بالقياس, والنطق يقصد به (النص من قرآن أو سنة) .

والعلماء اختلفوا في التخصيص عموم القرآن والسنة بالقياس على أقوال كثيرة ولكن أرجح هذه الأقوال أنه يجوز تخصيص القرآن والسنة بالقياس الجلي الواضح.

والمقصود بالقياس الجلي: هو القياس الذي يقوم بنفي الفارق بين الأصل والفرع, أو ما كانت العلة فيه منصوصًا عليها, بحيث لا تحتمل النزاع ولا تحتمل الخلاف.

مثال لتخصيص النطق بالقياس: قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} فلفظ {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} لفظ عام يشمل الحر والعبد, ولكن العلماء خصُّوا العبد, وقالوا: العبد لا يجلد مائة جلدة وإنما يجلد نصف الحد, وأخذوا ذلك بالقياس على الأمة فإن الله قد خصص الإماء من عموم هذه الآية بقوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} فنقيس العبد على الأمة وهو قياس جلي لعدم الفارق المؤثر بين الذكر والأنثى من الإماء والعبيد , فيلحق به.

* هذا الخلاف الذي أشرت إليه في تخصيص القرآن بالقياس وتخصيص السنة بالقياس هو محصور في القرآن والسنة المتواترة , أما أخبار الآحاد فإن الأكثر يقولون: يجوز أن تخصص بالقياس؛ وذلك لأجل أنهم يقولون أنها من باب الأدلة الظنية.

سؤال: هل يجوز تخصيص الكتاب بالإجماع, والسنة بالإجماع؟

نعم , يجوز تخصيص القرآن والسنة بالإجماع , ولكن من العلماء من يقول لم أجد مثالًا صحيحًا للتخصيص بالإجماع والسبب أن كثيرًا من الإجماعات التي تُحكى وتنقل لا تكون دقيقة وصحيحة ومطابقة للواقع, وإنما يكون الناقل له لم يعلم أحدًا يخالف فحكي الإجماع بينما يوجد مخالفون وهو لم يعرفهم ولم يطلع على آرائهم, ولهذا الإمام أحمد كان يشدد في موضوع الإجماع حتى نقلوا عنه أنه قال: من ادعى الإجماع فهو كاذب وما يدريك لعل الناس اختلفوا, فالعلماء يقولون: أراد أن يزجر الطلاب وغيرهم أيضًا من المتفقهة عن الإسراع عن دعوى الإجماع قبل التثبت والبحث والتنقيب, لكن القاعدة المقررة أنه يجوز تخصيص القرآن والسنة بالإجماع.

مثال ذلك: المثال الذي ذكرته قبل قليل بعضهم يُمثل به للتخصيص بالإجماع وهو أن العبد يجب أن يكون حده نصف الحر (خمسين جلدة) إذا زنى, ويقولون خصصناه بالإجماع.

ومنه أيضا قوله تعالى {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ} فكلمة {أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} هنا نكرة في سياق الشرط فتعم , فيكون المعنى: كل من يتوفى وليس له إلا أخ أو أخت فيكون لكل منهما السدس, وهذا لم يقل به أحد, وإنما قالوا: هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت