فهرس الكتاب
وكذلك بين النبي - صلى الله عليه وسلم - كل ما أُجمل صفته في القرآن , سواء بينه بالقول أو الفعل أو بهما جميعًا وهذا هو الأغلب.
ملحوظة:
* قول المصنف: (البيان إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي) يظهر منه أنه يقصر البيان على بيان المجمل, لكن أغلب الأصوليين حينما يعرّفون البيان أو يعرّفون المبين يعرّفونه بما هو أعم من ذلك ولا يرتضون مثل هذا التعريف مع أنه أقرب إلى اللغة, لكنهم يقولون: البيان ليس دائما بيانًا لمجمل أو لمشكل وإنما البيان قد يأتي ابتداءً، قد تكون الآية أول ما نزلت هي بينة واضحة فهذا بيان من الله - عز وجل - لا تحتاج بعد ذلك إلى بيان, فهذا نسميه بيان مع أنه جاء ابتداءً ولم يأت بعد مجمل, لكن المصنف فيما يبدوا عرّف بيان المجمل وهم عرفوا البيان مطلقًا سواءً كان بيانًا مجملًا أو بيانًا مبتدءًا, كقوله تعالى مثلا في من لم يجد الهدي: {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} فهذا بيان لم يأت بعد إجمال وإنما ذكر ابتداءً, فلهذا ينبغي أن ننتبه إلى مراد المصنف هنا.
* بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يبق لفظ مجمل في القرآن ولا في السنة مما يجب اعتقاده أو يترتب عليه عمل إلا وقد بيّنه - صلى الله عليه وسلم - , لكن هناك أمور لم يتعرض لها النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنها لا يتعلق بها عمل ولا يطالب المسلم بأن يعرفها , وذلك مثل الحروف المقطعة في أوائل السورة (ألم) ، (كهيعص) فهذه الحروف من المجمل الذي لم يرد له بيان (ويسمى المتشابه) استأثر الله بعلمه , مع أن بعض المفسرين اجتهد وقال: بل هي تدل على معنى ولكن هذا من باب الاجتهاد؛ لأنه لم يرد فيه نص يبين المراد منه.
قال: (النص مالا يحتمل إلا معنى واحد) .
لما تكلم المصنف عن البيان, وهو يكون أحيانًا بالنص وأخرى يكون بالظاهر, فأراد أن يعرّف كلا منهما, فعرف النص بأنه: مالا يحتمل إلا معنى واحدًا, كما في قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} ، وقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} ، فلفظ مائة جلدة نص, لا نقول لعل المقصود به خمسين, لعل المقصود به مائتين, وإنما هي مائة من غير زيادة ولا نقص فهذا نص وبيان صريح لا يحتمل تأويلًا ولا يحتمل تخصيصًا ولا يمكن صرفه بأي حال من الأحوال فهذا يسمى نصًا صريحًا.
ذكر المصنف قولًا لبعض السلف قال: (النص ما تأويله تنزيله) يعني بمجرد أن ينزل نعرف تأويله أي معناه فلا يحتاج إلى أن نبحث في بقية القرآن ولا أن نبحث في السنة ولا أن نبحث في فهم الصحابة حتى نعرف المراد منه, وإنما بمجرد أن ينزل نفهم معناه, وهذا في المعنى قريب مما ذكره سابقًا.
ثم عرج على المعنى اللغوي للنص فقال: أن النص سمي بذلك؛ لأنه مأخوذ من منصة العروس ومنصة العروس هي الكرسي الذي يوضع لها لتجلس عليه بين النساء لتكون مرتفعة يراها الجميع, فكذلك النص واضح وجلي يعرفه كل عارف باللغة العربية ويعرف معناه ولا يحتاج في تفسيره أو تأويله إلى غيره.
سؤال: ما الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص؟
هذه المسألة اهتم بها بعض العلماء وألف فيها استقلالًا رسائل صغيرة كالإمام السبكي فألّف في هذا رسالة صغيرة سماها (الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص) ومن العلماء من لا يُعير هذا التفريق اهتمامًا ويقول: هذا لا فائدة منه ولا حاجة إليه.
لكن الذين فرقوا يقولون: الفرق هو أن العام المخصوص يبقى حقيقة وليس بمجاز , وأما العام الذي أريد به الخصوص فهو مجاز , والعام المخصوص هو: الذي بقي منه بعد التخصيص أفراد أكثر من الذين خرجوا منه بخلاف العام الذي أريد به الخصوص فإن الذي يخرج منه أكثر مما بقي فيه وذلك مثل قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} فالمراد بالناس في قوله تعالى: ... {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} قيل: إنه نُعيم ابن مسعود وقيل وفد عبد القيس وهم أربعة فقط وليس كل الناس قد قالوا ذلك وكذلك الذين جمعوا لهم هم قريش