فهرس الكتاب
ومن معهم من الأحزاب وليس كل الناس فهذا عام أريد به الخصوص، والظاهر أن الفائدة قليلة من معرفة التفريق؛ لأن التخصيص عند الأصوليين هو بيان أن العام لم يرد به جميع أفراده.
سؤال: هل يُخصص النص بالعرف؟
التخصيص بالعرف أو التقييد بالعرف هذا محل خلاف بين العلماء , والمقصود بالعرف: هو عرف من نزل عليهم القرآن (عرف الصحابة) أي الأعراف التي كانت سائدة في عهدهم , فهل يمكن أن يُخصص بها نص من القرآن أو من السنة , لكن أعرافنا الآن لا تخصص نصوص القرآن والسنة باتفاق المسلمين.
من الممكن أن يخصص العرف نص صاحب الكلام نفسه , فحينما أتكلم بكلام عام ولكن في عرفنا له معنى خاص, فالعرف يخصص هذا المعنى العام , وذلك كمن حلف مثلًا أن لا يشتري دابة , ثم اشترى سيارة والسيارة في العرف لا تسمى دابة , فإنه لا يحنث.
الظاهر والمؤول
قال المصنف: (وَالظَّاهِرُ مَا احْتَمَلَ أَمْرَينِ أَحَدُهُمَا أَظْهَرُ مِنَ الآخَرِ، وَيُؤَوَّلُ الظَّاهِرُ بِالدَّلِيلِ، وَيُسَمَّى ظَّاهِرًا بِالدَّلِيلِ) .
لما ذكر المصنف المجمل وأتبعه بالكلام عن النص بقي أن يتكلم عن الظاهر؛ لأن هذه الأقسام الثلاثة المجمل، والنص، والظاهر، هي أقسام اللفظ من حيث ظهور الدلالة وخفائها عند الجمهور خلافًا للحنفية.
عرف المصنف الظاهر بأنه: (ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر) أي أن اللفظ إذا احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر وحملناه على الأظهر من المعنيين , قلنا: حملناه على ظاهره.
مثاله: كل أمر هو ظاهر في الوجوب , وكل نهي هو ظاهر في التحريم أيضًا؛ لأن الأمر قد يُحمل على الندب، لكنه أظهر في الوجوب , وكذلك النهي قد يُحمل على الكراهة، لكنه أظهر في التحريم.
أما التأويل فالمقصود به في اللغة: هو مأخوذ من الأَوْل أي الرجوع , من آل يؤول أي رجع.
وعند الأصوليون: حَمْل اللفظ على الاحتمال المرجوح لدليل.
مثاله: قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) هذا فيه نهي، ظاهره تحريم صلاة الرجل قبل صلاة ركعتين عند دخوله المسجد، ولكن تأول الجمهور هذا النهي وحملوه على الكراهة أو حملوه على ندب صلاة الركعتين التي هي تحية المسجد، فصرفوه عن الاحتمال الظاهر.
فإذا حملنا اللفظ على ظاهر معناه فإنه يسمى الظاهر , وإذا حملناه على المعنى المرجوح , فإنه يسمى مؤولا.
وقول المصنف: (ويسمى الظاهر بالدليل) أي إذا ثبت التأويل بدليل، يُسمى اللفظ حينئذ ظاهرًا في هذا المعنى الذي كان مرجوح، وهذا الرأي ذكره المصنف هنا وأخذ به بعض العلماء وشيخ الإسلام ابن تيمية يكثر من ذكره ويقول: «إن اللفظ المؤول إذا تأولناه على معنىً كان بعيدًا بقرينة وبدليل؛ يُصبح ظاهرًا في ذلك المعنى» .
شروط التأويل الصحيح:
الشرط الأول: أن يكون اللفظ يحتمل المعنى الذي صرفناه إليه من حيث اللغة، أي أن العرب لا تمنع من التعبير بلفظ وتريد به معنى آخر.
مثاله: تعبير العرب بصيغة افعل ولا يكون المراد بها الوجوب وإنما يراد بها الندب, والتعبير بصيغة لا تفعل ويكون المراد بها الكراهة ولا يكون المراد بها التحريم.
الشرط الثاني: أن يقوم دليل على هذا التأويل, فلابد من دليل يصرف اللفظ عن الاحتمال الظاهر إلى الاحتمال الآخر الذي كان مرجوحًا ويقويه.