فهرس الكتاب
مثاله: الصيغ التي تستخدم في المجاز، فالأصل في الكلام الحقيقة، ولكن إذا استعمل في المجاز لا بد لقرينة تُجَوِّز ذلك , فالأصل أنه يجب على المجتهد أن يحمل نصوص الشرع على ظاهرها ولا يتأولها إلا بدليل أي لا يصرف الأمر مثلًا عن الوجوب إلا بدليل، ويكون معه قرائن وأدلة تدل على أن اللفظ ما أريد به المعنى الظاهر.
مثال التأويل الصحيح: التخصيص، فجميع المخصصات يعدها العلماء من باب التأويل , قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} فظاهر قوله {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} من حيث الوضع اللغوي يشمل الحر والعبد، ولكن لما خُصّت الأمة في آية أخرى بنصف هذا الحد قال تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ} وألحقنا بها أيضا العبد, عرفنا أن الآية الأولى هي خاصة بالحر والحرة، فهذا نوع من التأويل، صرفنا فيه اللفظ عن الاحتمال الذي كان راجحًا إلى احتمال آخر بدليل فأصبح الاحتمال الثاني هو الظاهر وهو الراجح، وهذا معنى قول المصنف: (فيسمى هو الظاهر بالدليل) .
مثال التأويل الفاسد: تأويل بعض علماء الحنفية حديث: (أيما امرأة نُكِحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل) ، قالوا: لفظ امرأة هنا المقصود أَمَة، مع أن الأصل أن لفظ امرأة أول ما يطلق يدخل فيه الحرائر، وأما الإماء فيمكن أن يدخلن تبعًا، ومنهم من قال نحملها على المرأة الصغيرة، وهذا أيضًا فيه نظر؛ لأن تسمية الصغيرة امرأة أيضًا فيه شيء من التّجوّز، فهذا تأويل بعيد من جهة اللفظ ومن جهة الدليل إذ لا دليل على تأويلهم.
قال المصنف:(فِعْلُ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ لا يَخْلُوا: إَِّما أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ القُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ:
فَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى الاخْتِصَاصِ بِهِ يُحْمَلُ عَلَى الاخْتِصَاصِ , وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ لا يَخْتَصُّ بِهِ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} فَيُحْمَلُ عَلَى الوُجُوبِ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا.
وَمِنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُتَوَقَّفُ عَنْهُ , فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ القُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ فَيُحْمَلُ عَلَى الإِبَاحَةِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّنَا) .
هذا المبحث عقده المصنف للكلام عن أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأفعال الرسول هي قسم من سنته فإن سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أقسام رئيسة (قولية، وفعلية، وتقريرية) والمصنف لم يعقد بابًا للسنة مستقلًا، وإنما عقد فيما يأتي بابًا أو مبحثًا عن الأخبار وذكر فيها بعض ما يتعلق بالسنة لكنه قدم الكلام هنا عن الأفعال؛ لأن استنباط الأحكام من الأفعال محل إشكال ولذلك اهتم به كثير من العلماء وكتبوا فيه رسائل وكتبًا مستقلة، فأبو شامة كتب كتابًا سماه:"المحقق في أفعال الرسول"وأيضًا من المعاصرون الشيخ الأشقر كتب كتابًا بعنوان:"أفعال الرسول"في جزئيين، وهناك كتابات كثيرة جاءت حول هذا الموضوع، نظرًا لأهميته.
والعلماء حينما يتكلمون عن الأفعال وعن كيفية استنباط الأحكام من الأفعال، إنما يقصدون الأفعال المجردة التي لم يأتي معها أمر للناس بأن يفعلوا مثل فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أما إذا اقترن بها أمر واجتمع فيه القول والفعل، فهذه لا يتكلم الأصوليون فيها؛ لأن حكمها واضح من خلال ما تكلموا فيه في السنة القولية فكلامهم هنا في الأفعال التي لم تصاحبها أقوال تؤيدها وإنما هو فعل مجرد.
الفعل المجرد قسمه المصنف إلى قسمين:
الأول: فعل يظهر منه أنه - صلى الله عليه وسلم - فعله تقربا إلى الله وطلبًا للثواب, وهو على ضربين:
(1) ما ثبت أنه خاص بالرسول - صلى الله عليه وسلم - دون أمته, فهذا لا خلاف في أنه يختص بالرسول - صلى الله عليه وسلم - كقيام الليل فهو واجب في حقه - صلى الله عليه وسلم - , سنة حق أمته, وأما زواجه بأكثر من أربع نسوة فهو خاص به لا يشاركه فيه غيره.
(2) ما لم يثبت فيه هذه الخصوصية, وهذا اختلف فيه العلماء, فمنهم من حمله على الوجوب، ومنهم من حمله على الندب, ومنهم من حمله على الإباحة إن كان فعله ذلك على وجه غير القربة والطاعة.