فهرس الكتاب
وأدلة القائلين بالوجوب أنه - صلى الله عليه وسلم - هو قدوتنا والله تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} , وكذلك الأدلة التي تدل على وجوب المتابعة والإتباع له - صلى الله عليه وسلم -.
* لكن القول القائل بالندب هو الراجح؛ لأن فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - للشيء على سبيل التقرب، يدل على أنه مطلوب ومُرغَّبٌ فيه، والقدر المشترك بين الواجب والمندوب (أن يكون الفعل مستحبًا) أما القول بأنه واجب فهذا يترتب عليه أنه إذا لم يفعله العبد يأثم بذلك، والقول بالتأثيم يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه.
أما ذكروه من الأمر بالإتباع هذا يُجاب عنه، بأن المقصود إتباعه فيما هو واجب؛ لأن الإتباع قد يكون على سبيل الوجوب أو على سبيل الندب، فمحل الخلاف هو: هل يأثم من لم يفعل ذلك؟ فالتأثيم بترك الفعل لم يقيموا عليه دليلًا , فيحمل الأمر بالإتباع على أن المراد وجوب إتباعه في الفعل إن كان الفعل واجبًا واستحباب إتباعه فيه إن كان الفعل مندوبًا.
ملحوظة: إذا فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الفعل بيانا لمجمل، كما إذا أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأمر مجمل ثم فعله ليبيّنَ لهم صفته, كما بَيّنَ صفة الحج والصلاة والوضوء , حكم ذلك الفعل أنه تبع لذلك المجمل، فإن كان المجمل واجبًا فما فعله يكون واجبًا وإن كان مندوبًا فيكون فعله مندوبًا.
مثال ذلك: الأمر بالطواف مثلًا أمر على سبيل الوجوب، دل عليه قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ} وكذلك الطواف ركن من أركان الحج؛ ففعلُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الطواف إذن واجب كجعله البيت عن يساره مثلًا والطواف سبعة أشواط , فهذا يجب علينا أن نتّبِعَهُ في ذلك من غير زيادة ولا نقص.
الثاني: فعل يظهر منه أنه - صلى الله عليه وسلم - فعله من باب الطبيعة والجبلّة.
مثاله: طريقته في المشي والأكل، حبه وبغضه للطعام، لبعض كما ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يحب أن يأكل القِثّاء بالرُطب , كذلك الأفعال التي فعلها من باب عادة العادة كعادة قومه وعادة من في عصره، كطريقتهم في اللباس وفي إرسال الشَعر إلى قُرابة الكتفين وعدم قصه وعنايته به، فهذه كانت عادة موجودة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يغير هذه العادة بل استمر عليها , فهذه الأفعال (عند الجمهور) لا يتعلق بها حكم بل هي من المباحات إلا أن يقوم دليل آخر (غير مجرد الفعل) على الاستحباب أو على الوجوب.
* ذهب بعض أهل العلم على استحباب فعل هذه الأشياء التي فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - والتي كانت من باب الطبيعة والجبلّة, ودليلهم في ذلك فعل ابن عمر - رضي الله عنه - , فإنه كان شديد التتبع لما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فقد كان يتتبع خطوات النبي - صلى الله عليه وسلم - ليمشي عليها, وكان هناك شجرة يستريح إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - , فإذا مرَّ عليها ابن عمر يذهب ليجلس إليها أيضا.
قال المصنف: (وَإِقْرَارُ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ عَلَى القَوْلِ الصادر من أحد هُوَ قَوْلُ صَاحِبِ الشَّرِيعِةِ، وَإِقْرَارُهُ عَلَى الفِعْلِ كَفِعْلِهِ. وَمَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ وَعَلِمَ بِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا فُعِلَ فِي مَجْلِسِهِ) .
بدأ المصنف هنا بالكلام عن القسم الثالث من أقسام السنة: وهي السنة التقريرية، فقال: (إقرار صاحب الشريعة) أي السنة التقريرية، والمقصود بها: سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - لقول أو فعل فُعل بحضرته أو في عهده وعلم به , فإذا سكت عن قول قيل بحضرته، أو فعل فُعِلَ بحضرته فهذا دليل على أنه يُقر هذا القول ويُقِر هذا الفعل , وكذلك لو كان هذا الفعل ليس في مجلسه، وإنما فعل في عهده، وعلم به، بخلاف ما إذا فعل أحد من الصحابة فعلًا ولم يُخبِر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ولم يشتهر هذا الفعل ولم ينتشر بين الناس، فإنه لا يكون دليلًا , فسكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إنكاره لا يدل على جوازه أو إقراره له.
لكن ينبغي أن نعرف أن كلام المصنف هنا يحتاج إلى شيء من التقييد، في قوله: (إقرار صاحب الشريعة على القول الصادر من أحد هو قول صاحب الشريعة, وإقراره على الفعل كفعله) فلا من تقييد قوله هذا بالمسلمين , أي قول وفعل المسلمين بخلاف قول وفعل الكفار, فكون الكفار والمشركين في عهده كانوا يفعلون أشياء وهو يعلم بها ولم يذهب لينكر على كل واحد فهذا لا يُعد