فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 78

قال المصنف: (ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالكتاب، ونسخ السنة بالسنة، ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر منهما، ونسخ الآحاد بالآحاد وبالمتواتر، ولا يجوز نسخ المتواتر بالآحاد) .

تكلم المصنف هنا في شرط الناسخ , هل الناسخ لابد أن يكون مماثلًا للمنسوخ في القوة (أن يكون هذا قطعيًا وذاك قطعي) , وهل لابد أن يكون الناسخ من جنس المنسوخ (الكتاب بالكتاب أو السنة بالسنة) ؟

وجمهور العلماء يشترطون التساوي في القوة، ولا يشترطون التساوي في الجنس.

قوله: (يجوز نسخ الكتاب بالكتاب) هذا لا خلاف فيه بين المسلمين، ولا يلتفت إلى ما يُذكر من أن هناك من أنكر النسخ، كما نُقل عن المعتزلة فهذا ليس بصحيح، لكن حقيقة الخلاف بينهم، وبين الجمهور , هو أن النسخ هل هو رفع , أم بيان كالتخصيص؟ أي هل النسخ رفع للحكم أو هو بيان أن هذا الحكم كان مؤقتًا بوقت وانتهى هذا الوقت؟

والمتأمل لهذا الخلاف لا يجد له كبير أثر، لكن لا ينبغي أن ينكر أحدٌ النَسخ بعد أن وجد النص الصريح في القرآن على وجوده , قال تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَ} فهذا دليل واضح صريح على أن الله - عز وجل - يمكن أن ينسخ بعض الآيات ويأت بخير منها أو مثلها.

ملحوظة: بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يَرد نسخ جديد , فالنسخ انتهى بانقطاع الوحي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

قوله: (ونسخ السنة بالكتاب) كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة، فالتوجه إلى بيت المقدس لم يرد فيه نص قرآني، وإنما ثبت من السنة الفعلية، فبقي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته يتوجه إلى بيت المقدس في صلاته قرابة سبعة عشر شهرًا، ثم بعد هذا نزل عليه نسخ التوجه إلى بيت المقدس إلى الكعبة في قوله تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} فكان هذا ناسخًا للتوجه إلى بيت المقدس.

قوله: (ونسخ السنة بالسنة) كقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزروها، فإنها تذكركم الآخرة) فهذا دليل على أنه كان قد سبق النهي منه - صلى الله عليه وسلم - عن زيارتها , ثم أباحها لهم بعد ذلك.

قوله: (يجوز نسخ المتواتر بالمتواتر) أي يشترط لصحة النسخ أن يكون الناسخ والمنسوخ في درجة واحدة من القوة، أو يكون الناسخ أقوى من المنسوخ , كما قال بعدها: (ويجوز نسخ الآحاد بالآحاد وبالمتواتر) فإذا وجد متواتر من السنة يمكن أن تنسخ بالقرآن؛ لأن القرآن متواتر , والقرآن يمكن أن ينسخه المتواتر من السنة، ولكن الأخير لم يذكروا له مثالًا.

قوله: (والآحاد بالآحاد) أي أن آحاد السنة تُنسخ بآحاد السنة كما ذكرنا في حديث زيارة القبور.

قال: (ولا يجوز نسخ المتواتر بالآحاد) ؛ لأن بعض العلماء قال: «يجوز نسخ المتواتر بالآحاد , كالقرآن بالسنة الآحادية» ومثلوا لذلك بآية الوصية للوالدين، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} فهذا الأمر كان مأمورًا به، ثم نسخ بقوله - صلى الله عليه وسلم: (لا وصية لوارث) فجعلوا هذا مثالًا لنسخ المتواتر بالآحاد.

* لكن الجمهور يقولون: هذا المثال غير صحيح؛ لأن الآية لم تُنسخ بهذا الحديث، وإنما نُسخت بآيات المواريث، والحديث جاء فقط لبيان الناسخ، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول آيات المواريث قال: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) أي أعطى كل ذي حق حقه بنص آيات المواريث {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} إلى آخر الآيات، فالناسخ إذن الآيات وليس الحديث.

ومن العلماء من قال: «إن هذه الآية ليست منسوخة أصلًا فهي نازلة في الأبوين غير المسلمين» أي: إذا مات الإنسان وترك مالًا وله أبوان غير مسلمين، فعليه أن يوصي لهما؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت