فهرس الكتاب
فصحة الصلاة قبل رؤية الماء متفق عليها، وبعد رؤية الماء مختلف فيها، والمُستدل استصحب الإجماع في محل الخلاف، أي: استدل بالإجماع في الصورة المتفق عليها على الصورة المختلف فيها.
ولكن الأكثر على أنه ليس بحجة , قالوا: نحن أجمعنا على صورة، والخلاف في صورة مختلفة، فأجمعنا على صحة الصلاة عند عدم الماء، وعند وجود الماء لم نتفق على صحة الصلاة، فكيف تستصحبون الإجماع في مكان الخلاف.
ترتيب الأدلة:
قال المصنف: (ترتيب الأدلة، وأما الأدلة فيقدم الجلي منها على الخفي، والموجب للعلم على الموجب بالظن، والنطق على القياس، والقياس الجلي على الخفي، فإن وجد في النطق ما يفسر الأصل يعمل بالنطق وإلا فيستصحب الحال) .
هذا المبحث عقده المصنف في ترتيب الأدلة، وكثير من المصنفين في أصول الفقه يعقدون مبحثًا لترتيب الأدلة في أواخر كتبهم بعد الفراغ من ذكر الأدلة كلها.
المصنف أجمل القول هنا وقال: إن الأدلة عمومًا من كتاب أو سنة أو قياس أو غيرها يُقدَّم الجليُّ منها على الخَفِي، والجلاء والخفاء يكون بسبب (وضوح الدلالة) , فحينما يتعارض دليلان أحدهما نص صريح والآخر فيه خفاء , أو أحدهما سيق لبيان هذا الحكم بذاته، والآخر لم يُسَقْ لبيانه، وإنما جاء في مناسبة أخرى فإن الذي سيق لبيان الحكم يكون مُقدَّمًَا على الذي جاء لبيان حكم آخر.
مثال ذَلِكَ: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، فلو نظرنا إلى كلمة البيع نجد أنها عامة أي أنه سبحانه أحل كل بيع , لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حرَّمَ أنوعًا من البيوع ونهى عنها، فنهى عن بيع الملامسة والمنابذة ونهى عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني إلى غير ذَلِكَ، فهنا تعارضت الأحاديث مع عموم الآية، فهل يجوز الأخذ بالآية وترك العمل بهذه الأحاديث؟ الجواب: لا؛ وذلك لأن الأحاديث صريحة الدلالة على تحريم هذه الأنواع من البيوع، فهذه الأحاديث جاءت مُخصصة لعموم هذه الآية.
أو أن لفظ البيع في الآية ما جاء لبيان أنواع البيوع المُحللة وأنواع البيوع المحرمة، وإنما جاءت للتفرقة بين البيع والربا؛ لأنهم لما قَالُوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} ، رد الله عليهم، وقال: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} , فالأمر راجع إلى تقديم الدلالة الواضحة الصريحة على الدلالة الخفية.
قوله: (يقدم الموجب للعلم) أي كُلُّ نص يوجب العلم أي متواتر يُقدَّم على الظني.
كذلك أيضًا يُقدَّم النص أو النطق على القياس (إذا كان النص صريحًا) , ولكن هذا ليس دائما، بل قد يُقدَّم القياس الجلي على العموم أحيانًا.
كذلك في الأقيسة يُقدَّم القياس الجلي على القياس الخفي، ونحن عرفنا أن الأقيسة منها ما هو قوي ومنها ما هو ضعيف، فقياس العلة أقوى من قياس الشبه، وقياس العلة يكون مقدمًا على قياس الشبه.
قوله: (فإن وجد في النطق ما يفسر الأصل يُعمل بالنطق، وإلا فيُستصحب الحال) أي إذا وُجد في النص (سواءً كان نصًا صريحًا أو كان مفهومًا سواءً كان مفهوم موافقة أو مفهوم مخالفة , أو قياسًا) ما يُفسِّر الأصل أي (يخصصه أو يبين أنه غير شامل أو لا يشمل كل هذه الأمور) ؛ فحينئذ نُقدِّم النطق على الاستصحاب.
ولا يعني قول المصنف هذا , أن الذي يُقدَّم على الاستصحاب هو النطق فقط، بل المراد أنه يُقدَّم على الاستصحاب النص الصريح، و يُقدَّم عليه المفهوم (مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة) , و يُقدَّم عليه القياس أيضًا، وإن كان كلام المصنف قد يشعر بخلاف هذا.