فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 78

* هذا الدليل قدمه على القياس ابن قدامة والغزالي وجعلاه من الأدلة المتفق عليها، فهما يقولان: «إن الأدلة المتفق عليها الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل [1] المُبقي على النفي الأصلي» , ودليل العقل المبقي على النفي الأصلي , المقصود به: أن الأصل نفي التكليف أو نفي انشغال الذمة، ويتضح هذا المعنى فيما لو ادعى عليك شخص بأن له عندك مبلغ من المال، فلا بد له من إحضار دليل على دعواه هذه؛ لكي يثبت حقه , ولا نطالبك أنت بإحضار الدليل على أنك لست مدينًا له , فالأصل أن ذمتك بريئة من أي مال يُطالبك به إلا أن يقيم دليلًا على انشغال ذمتك؛ ولهذا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: (البينة على المدعي اليمين على من أنكر) ، وهذا الحديث من الأحاديث التي استدل بها الأصوليون على حُجية الاستصحاب.

ووجه الدلالة: أن الشرع جعل جانب المُنكر المتمسك بالبراءة الأصلية هو الأقوى حتى يرد ما ينقض هذا الأمر بعينه هو (الاستصحاب) .

كذلك أيضا استدلوا بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - حينما سُئل عن الرجل يُخيّل إليه أنه أحدث في صلاته فقال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحا) , وهذا دليل أيضا على استصحاب البراءة الأصلية، أو استصحاب الحال السابقة، فهو كان متطهرًا حينما دخل في الصلاة، ثم شك هل خرج منه شيء أم لا؟ فيبقى في صلاته، ولا ينصرف، فإن هذا غالبا يكون من وساوس الشيطان إلا أن يتيقن (يسمع صوتا أو يجد ريحًا) ، وحينئذ يكون قد تيقن من انتقاض الوضوء، وعليه أن يعيد وضوءه.

(2) استصحاب الدليل الثابت مع احتمال المعارض: وذلك مثل استصحاب حكم الدليل العام حتى يرد ما يخصصه , واستصحاب النص حتى يرد ما يدل على نسخه.

ولكن قال بعض أهل العلم لابد للتمسك بالعموم من البحث عن المخصصات من المجتهد فإن لم يجد، فله حينئذ أن يتمسك بالعموم، ويحاج خصمه بأن الأصل إجراء العام على عمومه حتى يثبت خلاف ذَلِكَ.

(3) استصحاب الحكم الذي دل الدليل على ثبوته ولم يقم دليل على تغييره: وذلك مثل الحكم بثبوت الزوجية بناء على عقد النكاح الصحيح من غير أن يُطالَب الزوج بدليل على بقاء العقد؛ لأن الأصل بقاؤه ما لم يرد دليل يغير ذلك الأصل، فلو ادعت الزوجة الطلاق فالأصل عدمه وعليها البينة.

وهذا ما يُعبِّرون به بقولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان , حتى يرد ما يُغيِّره.

(4) استصحاب الحكم الثابت بالإجماع في محل الخلاف: وهذا من الأنواع المختلف فيها عند الأصوليين.

مثاله: إذا تيمم من فقد الماء ثم شرع في صلاته وفي أثنائها رأى الماء أو قَدِمَ به خادمه، فهل تصح صلاته إذا استمر فيها؟ فمن قال بصحة صلاته استدل باستصحاب الإجماع في موضع الخلاف فقال: صحة صلاة من تيمم لفقد الماء ثابتة بالإجماع حتى يدل دليل على أن رؤية الماء في أثناء الصلاة مبطلة لها، ولا دليل على ذلك.

(1) قال الغزالي في المستصفى موضِّحًا هذه المسألة: اعلم أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل , لكن دل العقل على براءة الذمة عن الواجبات وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات قبل بعثة الرسل عليهم السلام وتأييدهم بالمعجزات , وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل قبل ورود السمع ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع , فإذا ورد نبي وأوجب خمس صلوات فتبقى الصلاة السادسة غير واجبة , لا بتصريح النبي بنفيها لكن كان وجوبها منتفيا إذ لا مُثبت للوجوب فبقي على النفي الأصلي؛ لأن نطقه بالإيجاب قاصر على الخمسة فبقي على النفي في حق السادسة وكأن السمع لم يرد , وكذلك إذا أوجب صوم رمضان بقي صوم شوال على النفي الأصلي , وإذا أوجب عبادة في وقت بقيت الذمة بعد انقضاء الوقت على البراءة الأصلية , وإذا أوجب على القادر بقي العاجز على ما كان عليه , فإذا النظر في الأحكام إما أن يكون في إثباتها أو في نفيها , أما إثباتها فالعقل قاصر عن الدلالة عليه وأما النفي فالعقل قد دل عليه إلى أن يرد الدليل السمعي بالمعنى الناقل من النفي الأصلي فانتهض دليلا على أحد الشطرين وهو النفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت