فهرس الكتاب
قال المصنف: (وَأَمَّا الْحَظْرُ وَالإِبَاحَةُ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الأَشْيَاءَ عَلَى الْحَظْرِ إِلاَّ مَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ , وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ بِضِدِّهِ وَهُوَ: أَنَّ الأَصْلَ فِي الأَشْيَاءِ الإِبَاحَةِ إِلاَّ مَا إلا من حَظَرَهُ الشَّرْعُ , ومعنى استصحاب الحال أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي) .
في هذا المقطع تكلم المصنف -رحمه الله- عن مسألتين بينهما ارتباط وثيق.
المسألة الأولى: عُرفت عند أكثر علماء الأصول بـ (حكم الأشياء المنتفع بها التي سكت عنها الشرع) وهي مما يمكن أن يُنتفع به، أما الأشياء التي ثبت بالتجربة أنها مضرة فهذه غير داخلة في هذه المسألة؛ لأن النهي عن الضرر كثير في الشريعة الإسلامية , قال تعالى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) ، فكل ما فيه ضرر حرمته الشريعة ومنعته في الجملة، وإنما الكلام هنا في أشياء يمكن الانتفاع بها لكن لم يرد نص يبيحها ولم يرد نص يحظرها أو يمنعها، فما هو الأصل فيها؟
لو قررنا أن الأصل الإباحة , فمعنى هذا أن الذي يقول بتحريمها هو الذي يُطالب بالدليل على الحرمة، ولو قررنا أن الأصل التحريم، فينبغي للقائل بالإباحة أن يطالب بالدليل على الإباحة.
ذهب إلى القول بأنها على الحظر بعض المعتزلة وبعض الشافعية.
وحجتهم في ذلك: أن هذه الأشياء مملوكة لله - عز وجل - , ونحن عبيد له لا يحق لنا أن نتصرف في ملكه بغير إذنه , فإذا لم يأذن لنا لا يحق لنا الإقدام على التصرف فيما لم يأذن، فتكون محرمة علينا إلا إذا قام دليل على إباحتها.
وذهب الجمهور إلى القول بأنها على الإباحة , وهو الراجح.
وحجتهم في ذلك:
قوله تعالى: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} ، يدل على أن كل ما في الأرض هو مخلوق لنا، وما دام مخلوق لنا فهو حِلّ ومباح لنا حتى يرِد دليل على تحريمه فالأصل هو الإباحة.
الجواب عن حجة أصحاب القول الأول: قولكم إن الذي دفعكم إلى القول بالتحريم أن هذا تصرف في ملك الله - عز وجل - , ولا يجوز التصرف في ملكه بغير إذنه , نقول: إن الله - عز وجل - ليس في حاجة إلى هذه المخلوقات وإلى هذه الأشياء التي نتكلم في إباحتها أو حظرها، فانتفاعنا بها لا يضر بالله - عز وجل -، بل القياس أنه يَقْبُحُ أن نُمنع منها، كما يَقْبُحُ لصاحب المصباح المضيء أن يمنع الناس من الاستضاءة به إذا كان استنارتهم به لا يضر به، أو كما يَقْبُحُ من باني الجدار أن يمنع عابر السبيل من الاستظلال به إذا لم يكن جلوسه مضرًا به، ولله المثل الأعلى، فإنه يَقْبُحُ أن يمنع ذلك عن خلقه.
* هذه المسألة تُعرف بـ (هل الأصل في الأشياء الحظر أو الإباحة) .
الاستصحاب:
بعد أن فرغ المصنف من هذه المسألة أدخل فيها مسألة الاستصحاب، فقال: (ومعنى استصحاب الحال - الذي يُحتج به - أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي) ، أي إذا تقرر أن الأصل في هذه الأشياء هو الإباحة أو الأصل فيها هو التحريم، فهذا الأصل هو الذي نستصحبه عند عدم الدليل , فانتقل المصنف إلى دليل يُسمى الاستصحاب أو استصحاب الحال , وهذا هو وجه ارتباطه بالمسألة السابقة.
* المصنف هنا اكتفى في الاستصحاب بهذه الإشارة , ولكن الأصوليين يتكلمون عن الاستصحاب بصورة أوسع، ويعرفونه بما هو أعم من هذا، فعَرَّفه بعضهم بأنه: «الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناءً على أنه كان ثابتًا في الزمان الأول» ، أي: أنه إذا ثبت حكم بدليل معين في وقت معين يبقى ذلك الحكم ثابتا حتى يرد دليل يرفعه.
أنواع الاستصحاب:
(1) استصحاب البراءة الأصلية: والمقصود بالبراءة الأصلية: براءة الذمم من التكاليف ومن الحقوق؛ فالأصل أن ذمتك بريئة من أي تكليف شرعي ما لم يرد نص بذلك , كعدم إيجاب صوم شهر شوال كصيام رمضان؛ وذلك لعدم ورود النص بصومه، ويكفينا في الاستدلال أنه لا دليل على وجوبه.