فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 78

شاء الله) أن يكون الغالب عليهم العدالة، والفسق فيمن توافرت فيه هذه الشروط نادر جدًا والحمد لله.

هذا مُلخّص ما ذكره المصنف من شروط المفتي، والحقيقة أن مسألة الفتوى والاستفتاء وشروط الاستفتاء من المسائل المهمة جدًا التي ينبغي أن يعتني بها طلاب العلم؛ لأن الخلل فيها أدى إلى كثير من المشاكل، وأدى إلى أن يتصدر للفُتيا من ليس لها بأهل فأوقع الناس في حرج عظيم، وأخذ يضرب آيات الكتاب وأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعضها ببعض؛ وذلك لعدم الاهتمام بهذه المسألة المهمة.

سؤال: هل الأفضل للمفتي أن يذكر الراجح عنده، أم يذكر الخلاف في المسألة؟

إن كان المفتى يخاطب عامة الناس، فلا ينبغي له ذكر الخلاف؛ لأنه لو ذكر لهم الخلاف والأقوال ربما شَوَّشَ أذهانهم ولم يستفيدوا شيئًا ولم يستوعبوا المسألة؛ فلهذا كان من المناسب للمفتي أن يذكر ما يراه راجحًا، ولا يشوش أذهان السامعين من عوام الناس بذكر الأقوال.

أما إذا كانت الفتوى لطلاب العلم كما لو كان درسًا أو غيره، فإنه حينئذٍ ينبغي أن يُفَصِّل ويُبَيِّن الأقوال , ثم بعد ذلك يذكر الراجح.

سؤال: هل من شروط المفتي أن يكون عالمًا بأحكام الأحاديث من حيث التصحيح والتضعيف؟

نعم يشترط ذلك , لكن يكفي العلم به عن طريق الكتب المؤلفة في هذا الفن , كالكتب المؤلفة في بيان الصحيح والضعيف من الأحاديث وغيرها من الكتب التي تعتني بهذا الشأن , ولا يلزم العلم بها استقلالًا؛ لأن العلم بها استقلالًا عزيزٌ نادر، لا يكاد أن يتيسر لكل أحد، وإن تَيَسَّرَ له ذلك , تراه غالبًا قد قَصَّرَ في جوانب أخرى، مثل الفروع الفقهية وأصول الفقه وطرق الاستدلال وغيرها من باقي علوم الشريعة.

قال المصنف: (ومن شروط المستفتي أن يكون من أهل التقليد، وليس للعالم أن يقلد، والتقليد: قبول قول القائل بلا حجة، فعلى هذا: قبول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمى تقليدًا، ومنهم من قال: التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله، فإن قلنا إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول بالقياس؛ فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليد) .

تَحدَّثَ المصنف قبل ذلك عن شروط المفتي، والمفتي هو المخبر عن حكم الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق الاجتهاد، أي يخبر اجتهادًا لا نقلًا للنص , أما ناقل النص فإنه لا يسمى في الاصطلاح مفتيًا عند أكثر العلماء.

ثم انتقل المصنف إلى الكلام على المستفتي، والمستفتي: هو طالب الفتوى أو السائل عن الحكم الشرعي، والمفتي هو المُخبر بالحكم الشرعي، والفتوى هي الخبر عن حكم شرعي.

ذكر المصنف شرطًا واحدًا للمستفتي، وهو أن يكون مقلدًا بمعنى أن لا يكون من أهل الاجتهاد وأهل العلم الذين لهم قدرة على إدراك الأحكام الشرعية بأنفسهم من خلال النظر في الأدلة، هذا الشرط حكى كثير من العلماء الاتفاق عليه، ولكن الاتفاق في الحقيقة محصور في جانب منه ليس على إطلاقه، وهو (ما إذا كان المجتهد قد نظر في المسألة وتوصل فيها إلى حكم يغلُبُ على ظنه أنه حكم الله) ؛ فإنه حينئذ لا يجوز له أن يترك هذا الحكم ويأخذ بفتوى عالم آخر ويقلِّده , مع أنه يغلب على ظنه أو يعتقد أن هذا العالِم مُخطئ؛ فهو في هذه الحالة ترك ما يغلب على ظنه أنه صواب وعمل بما يغلب على ظنه أنه خطأ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: (دع ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ) ، فإذا كان ما فيه ريبة ينبغي أن يُترك فكيف بما يغلب على ظن المجتهد أنه غير صحيح.

* حكى العلماء الإجماع على عدم جواز تقليد العالم للعالم , إذا كان العالم المقلد قد نظر في المسألة وتبين له رجحان قول دون الآخر , أما إذا لم ينظر العالم في المسألة بعد فهل له أن يقلد غيره؟

اختلف العلماء في ذلك على أقوال عدة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت