فهرس الكتاب
(1) يجوز للعالم أن يُقلِّد عالمًا آخر , إذا لم ينظر في المسألة بعد، أو نظر فيها ولم يتبين له شيء.
(2) لا يجوز له ذَلِكَ بل يلزمه أن يتوقف حتى ينظر في المسألة.
(3) يجوز له أن يقلد الأعلم منه، ولا يجوز أن يقلد العالم المساوي له أو الأدنى منه.
(4) يجوز له أن يقلد غيره إذا ضاق الوقت، فإن ضاق الوقت جاز له أن يقلد وإلا فلا يجوز , وهذا القول هو الراجح من هذه الأقوال؛ فإن ضاق عليه الوقت في مسألة عُرضت له وقد تكون عرضت له في صلاته، وهو يتذكر قول الشافعي في المسألة مثلًا أو قول أحمد أو قول إمام من الأئمة في هذه المسألة ولا يعرف دليله، فإنه يجوز له أن يقلده؛ لأن الوقت قد ضاق ويصدُق عليه أنه لا يعلم الحكم، والله - عز وجل - قد أمر من لا يعرف الحكم أن يسأل (أجاز له التقليد) ؛ لأن الأمر بالسؤال (ليس المقصود السؤال في حد ذاته) وإنما المقصود امتثال ما يفتي به العالم إذا سأله، فليس المقصود أن يسأل ثم يترك ما يقوله العالم وإنما المقصود أن يسأله ليأخذ بفتواه.
* هنا دقيقة قَلَّ أن ينتبه لها البعض ممن كتبوا في مسألة تقليد العالم للعالم وحكم تقليد المجتهد لغيره من المجتهدين، فالذين يحكون الاتفاق أو يرون المنع مطلقًا ليس مقصودهم بهذا عدم جواز التقليد في كل الأمور والوقائع، وإنما مقصودهم: المسائل التي يمكن أن يستقل فيها كل إنسان برأيه (كالعبادات مثلا) ولا يؤثر ذَلِكَ على رأي الجماعة المسلمة.
أما إذا كان انفراد كل صاحب رأي برأيه سيؤثر على الجماعة المسلمة، فإنه لا يجوز له أن يَشِذَّ عن الناس , وإن كان يرى أن ما فعلوه مرجوح من وجهة نظره , وذلك مثل الأمور التي تشق عصا المسلمين كأمور السلم والحرب، وأمور الصلح مع العدو والهدنة معه؛ فهذه الأمور وإن كان رأي هذا العالم في هذه المسألة أن الصلح ليس بمناسب مثلًا؛ فإنه لا يجوز له مخالفة إمام المسلمين , بل يلزمه أن يرجع إلى ما رآه إمام المسلمين، وأن يعمل به، وإن ظنه مرجوحًا؛ لأنه لو فعل خلاف ذَلِكَ شق عصا الطاعة، وأدى ذَلِكَ إلى تفرق كلمة المسلمين.
وقوله: (والتقليد: قبول قول القائل بلا حجة) , انتقل المصنف إلى تعريف التقليد , ولكن في الحقيقة هذا التعريف مُشكل جدًا، وهو سبب للخلاف في حكم التقليد؛ وذلك لأننا لو وقفنا على نص هذا التعريف فمعنى هذا أننا نقول: إن التقليد هو أن يأخذ الإنسان قول العالم أو قول المجتهد وهو يعلم أنه ليس له دليل، ولا حجة معه، وإنما هو رأي مجرد عن الدليل، فلأجل تَبَادُر هذا المعنى من التعريف قال بعض العلماء: بتحريم التقليد؛ لأنه محرم ونص على هذا ابن حزم، والشوكاني في إرشاد الفحول , وأشار إلى شيء منه ابن القيم.
ولكن الذين يُعرِّفون بهذا التعريف لا يريدون أخذ العامي عن العالم، ولا يسمون هذا تقليدًا؛ وذلك لأنه قد قامت حجته في الجملة؛ لأن الله - عز وجل - قال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} ، فهو مأمور بأن يسأل العلماء، ولا يصدق عليه أنه أخذ قول القائل بلا حجة، بل أخذه بحجة، وأيضًا العوام في عهد الصحابة وفي عهد التابعين إلى يومنا الحاضر يسألون العلماء، ولا يوجد أحد يُنكر عليهم السؤال , ولا يطالبهم بالبحث بأنفسهم عن الدليل؛ لأن هذا فيه تكليف بما لا يطاق لهم , فلو كُلِّفَ العامة أن يعرفوا الأحكام الشرعية كلها دقيقها وجليلها بأدلتها لانقطع معاش الناس , ثم إنه لن يصلوا جميعًا إلى مستوى الاجتهاد؛ لأن قدرات الناس مختلفة , فليس هذا هو مقصود الأصوليين الذين عرَّفوا بهذا التعريف.
إذن التقليد الذي منعه بعض العلماء هو الأخذ بقول لا حجة له؛ ولهذا يقول ابن حزم: إن العامي يجب عليه أن يسأل العالم عن الدليل أو يسأله هل هذا حكم الله، فإذا قال العالم: هذا حكم الله، أخذه العامي , ويكون العالم حينئذ مُخبرًا وناقلًا كالراوي الذي يروي حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا يكون هذا من باب التقليد المحرم.
أما ابن القيم فقد كان اتجاهه في المنع من التقليد والتشنيع على المقلدين , ما يصنعه بعض أتباع المذاهب ممن تفقهوا في مذهب معين وبلغوا فيه مبلغًا عاليًا ولكنهم حينما تُعرض لهم المسألة يأخذون بقول إمامهم، ويتركون الحديث الصحيح.
قوله: (فعلى هذا قبول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمى تقليدًا) بعد أن ذكر المصنف هذا التعريف قال: بناءً على هذا التعريف لا نقول أن إتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - تقليد، هذا هو مراد المصنف، ولكن النص الذي