فهرس الكتاب
ليس كل مجتهد في الفروع مصيبا , قوله - صلى الله عليه و سلم - (من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد) .
ووجه الدليل أن النبي - صلى الله عليه و سلم - خطَّأ المجتهد تارة وصوبه أخرى).
الاجتهاد في اللغة: بذل الوسع لإدراك أي شيء، فأي شيء يبذل الإنسان وسعه لإدراكه , مما فيه نوع مشقة يسمى اجتهادًا في اللغة.
وفي الاصطلاح: «بذل الوسع في إدراك حكم شرعي» ، والمصنف عرَّفه بأنه: (بذل الوسع في بلوغ الغرض) ولكن هذا تعريف مُجمل، فالغرض هنا غير مُخصص، هل هو إدراك الحكم الشرعي أم هو أعم من ذَلِكَ؟ , فتعريفه هنا أشبه بالتعريف اللغوي، والتعريف الأوضح من هذا كما ذكرنا أن يقال: بذل الوسع في إدراك حكم شرعي، أما من بذل الوسع لإدراك غرض آخر غير الحكم الشرعي فلا يسمى مجتهدًا في الاصطلاح وإن كان يسمى عند عامة الناس مجتهدًا؛ لأنه اجتهد في الحصول على هذا الغرض، فإذن تعريف المصنف المذكور هنا تعريف لغوي أو عرفي وليس تعريفًا اصطلاحيًا يخص علماء أصول الفقه.
* قيَّدَ البعض أيضًا هذا التعريف , فقال ينبغي أن نقول: حكم شرعي فرعي أو ظني، حتى نخرج مسائل الاعتقاد فإنها ليست مجالًا للاجتهاد، وإنما المعتبر فيها العمل بالنص فقط.
حكم المجتهد وشروطه:
ثم انتقل المصنف إلى الكلام في حكم المجتهد ولم يتعرض لشروط المجتهد.
قوله: (المجتهد إن كان كامل الآلة) أي مستوفي آلة الاجتهاد , أي شروطه , والمصنف قد سبق له الإشارة إليها عند كلامه عن شروط المفتي.
قوله: (فأصاب فله أجران) , أي على اجتهاده وإصابته , (وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد) أي على اجتهاده , والدليل عليه ذكره المصنف بعد ذلك.
مسألة: هل المصيب في مسائل الاجتهاد واحد أم متعدد؟
محل الخلاف في هذه المسألة هو مسائل الفروع , بخلاف مسائل الاعتقاد أو مسائل أصول الدين؛ لأن المصيب فيها واحد بغير خلاف؛ لأننا لو قلنا أن المصيب فيها يتعدد، للزمنا أن نُصَوِّبَ قول النصارى مثلًا في صلب المسيح، فالله - عز وجل - يقول: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} ، وهم يكادون يُجمعون على أنه صُلِب، وهم يعتقدون ذَلِكَ، ليس من باب المكابرة، بل هم يعتقدون ذَلِكَ اعتقادًا في أنفسهم حتى إنهم يرون أن من لم يُقِر به فهو كافر , فمراد المصنف أن المختلفون من أهل القبلة (الفرق الإسلامية التي اختلفت) كالأشاعرة والماتريدية والكلابية مثلًا , إذا اختلفوا، وكان اختلافهم عن اجتهاد فالمصيب واحد.
أما مسائل الفروع فالمصنف ذهب إلى أن المصيب فيها واحد، والمخطئ فيها ليس بآثم بل يُعفى عنه , طالما أنه استوفى شروط الاجتهاد , فإن لم يكن مستوفيًا لها؛ فلا يحق له أن يجتهد في المسألة وينظر فيها , بل لو نظر لكان آثمًا؛ لأنه افتأت على الله ووقَّع عنه بلا علم، قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} , وهذا القول هو الراجح.
-بينما ذهب البعض أن كل مجتهد في مسائل الفروع مصيب , واحتجوا بأن هذه المسائل ليس فيها شيء محدد عند الله - عز وجل - وإنما الحكم فيها تابع لاجتهاد المجتهد , واستدلوا أيضا بتصويب النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة الذين قال لهم: (لا يُصَلِيَنَّ أحد منكم العصر إلا في بني قريظة) , ثم إنهم اجتهدوا في الطريق فمنهم من صلى في الطريق وقال: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يرد منا أن نؤخر الصلاة وإنما أراد استعجالنا، ومنهم من قال: بل نأخذ بظاهر نصه - صلى الله عليه وسلم -؛ فلا أصلي إلا إذا وصلت إلى بني قريظة فما صلى إلا بعد دخول وقت المغرب، فلما عَلِمَ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على أحد من الفريقين.
ولكن هذا الحديث لا يدل على أن كل مجتهد مصيب، وإنما يدل على أن المخطئ معْفُوٌ عنه، وهو مأجور؛ لأنه اتبع ما أداه إليه اجتهاده.
أما ما ورد من نقول عن بعض الأئمة كأبي حنيفة و الشافعي أنهم قالوا: كل مجتهد مصيب , فالمقصود به: أنه أصاب في كونه اتبع ما أداه إليه اجتهاده , فَفرْضُ المجتهد إذا نظر في المسألة أن