فهرس الكتاب
من ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير في ترجمته قال: ومن كلامه وقد سئل عن الحلم ماهو؟ فقال: الذل مع الصبر , وكان إذا تعجب الناس من حلمه يقول: والله إني لأجد مايجدون ولكني صبور, وقال: وأغلظ له رجل في الكلام وقال: والله يا أحنف لئن قلت لي واحدة لتسمعنَّ بدلها عشرا, فقال له: إنك إن قلت لي عشرا لا تسمع مني واحدة (1) .
ففي هذين الخبرين يفسر الأحنف بن قيس التميمي الحلم بأنه الذل مع الصبر , وهذا يعني أن الحلم يبدأ بالتهوين من شأن النفس وإذلالها ثم الصبر على الأذى , وذلك بأن يُصدر العقل السليم أمرا للنفس بكبح جماحها عن سلوك سبيل الانتصار إلى الإيثار , والصبر على مايقرع المسامع من الأذى, فالحلم يحتاج إلى قوة عظيمة في العقل لتحجيم النفس عن الاستسلام لعواطفها الجياشة والظهور أمام من صدر منه الأذى بعدم التأثر واحتواء الموقف , فالحلم على هذا إهانة للنفس, لكنه يورث عواقب حميدة من سمو العقل وعلو المنزلة , والسلامة من الآثار السيئة للاستجابة للغضب.
ويبين الأحنف للناس أنه يجد مايجدون من التأثر بسماع مايؤلم النفس لكنه يكبح جماح نفسه بالصبر.
ويبين أنه كسب بالحلم أنصارًا ممن يعادونه , وأن الذين كسب نصرتهم بإعجابهم بحلمه أكثر من الذين كسب نصرتهم بمحبتهم إياه بالأسباب الأخرى.
وفي الخبر الأخير مثل من حلمه مع الرجل الذي أغلظ له , فقد كان ذلك الرجل متوترا , وقد غاب عنه عقله السليم وحضرت نفسه الأمارة بالسوء , أما الأحنف فإنه قد أمات نفسه الأمارة بالسوء وأحيى عقله السليم , فكان جوابه لذلك الرجل استجابة لنداء عقله لاخضوعا لعواطف نفسه.
وقد اشتهر الأحنف بالحلم حتى أصبح يضرب بحلمه المثل كما قال الشاعر أبو تمام في مدح الخليفة المعتصم العباسي:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ………في حلم أحنف في ذكاء إياس
(1) البداية والنهاية 8/327.