فهرس الكتاب
ففي هذا الخبر موقفان: الأول صرامة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه في حمل أمرائه على حياة التواضع والزهد , ولقد لاحظ شيئًا من الترفع في معاوية في ذلك اللباس الذي لبسه , فكان منه ذلك التأديب التربوي الذي أراد منه الحدَّ من ذلك السلوك الذي لاحظه على معاوية رضي الله عنه.
وحينما عذله في ذلك مَنْ حوله , وذكروا فضل معاوية على قومه أبان لهم أنه لم يغضب عليه لنقص في سياسته وإدارته , وأنه لو كان منه شيء من ذلك لكان له معه تصرف آخر , ويقصد بذلك عزله عن الولاية , وفي ذلك دلالة على ظهور تفوق معاوية في أعمال الولاية في السلم والحرب.
والثاني: موقف لمعاوية في الحلم والصبر , حيث لم يَبْدُ منه أيُّ تُسخُّط مما حدث, بل كان يستعطف أمير المؤمنين ليخفف من غضبه عليه , مع أن في ضربه أمام الناس إهانة كبيرة له , لكنه يدرك أن أمير المؤمنين يقصد من ذلك صيانة أخلاق الإسلام التي يجب أن تتمثل أوَّلا في الولاة ليقتدي بهم عامة الناس.
ونظرًا لحلم معاوية الكبير مع مايتصف به من الشجاعة والعزة فإن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أثنى عليه بقوله: دعوا فتى قريش وابن سيدها , إنه لَمَنْ يضحك في الغضب ولايُنال منه إلا على الرضا , ومَنْ لايؤخذ مافوق رأسه إلا من تحت قدميه (1) .
فهذا قول دقيق من عمر في وصف معاوية , فقد وصفه بالدرجة العالية من الحلم, والعزة التي تجعله منيعا لاينال ماعنده على قهر منه , وهذه الصفة هي التي جعلته يبقيه أميرا على الشام لخطورة ذلك الثغر.
من مواقف الأحنف بن قيس رحمه الله:
(1) البداية والنهاية 8/124.