الصفحة 52 من 62

وهذا يعني أنه إذا رأى السيول الجارفة قد أقبلت لم يقاومها , وإنما يفسح لها حتى تمر , ثم يحتوي الميدان وقد زال إقبال الناس الشديد فيتمكن مما يريد , وقد عبر معاوية عن هذه السياسة بقوله المشهور: لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت , إذا جذبوها أرخيتها , وإذا أرخوها جذبتها , رضي الله عنه وعن الصحابة جميعا.

ومن ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير في بيان ماكان يتصف به أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه من مكارم الأخلاق قال: وقال الشعبي والأصمعي: جرى بين رجل يقال له أبو الجهم وبين معاوية كلام , فتكلم أبو الجهم بكلام فيه غَمْرٌ لمعاوية , فأطرق معاوية ثم رفع رأسه فقال: يا أبا الجهم إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبيان ويأخذ أخذ الأسد , وإن قليله يغلب كثير الناس, ثم أمر معاوية لأبي الجهم بمال , فقال أبو الجهم في ذلك يمدح معاوية:

نميل على جوانبه كأنا…نميل إذا نميل على أبينا

نُقلِّبه لنخبر حالتيه …فنخبر منهما كرما ولينا (1)

وهكذا كان لحلم معاوية رضي الله عنه وحسن خلقه ومبادلته الإساءة بالإحسان الأثر الكبير في نفس أبي الجهم فقال هذين البيتين في شكر معاوية وبيان اتصافه بالكرم والسماحة.

ولقد كان سلوك أمير المؤمنين معاوية تطبيقا لقول الله تعالى [ فصلت: 34 - 35 ] .

وقال الحافظ ابن كثير: وقال عمر بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده قال: دخل معاوية على عمر وعليه حلة خضراء , فنظر إليها الصحابة , فلما رأى ذلك عمر وثب عليه بالدِّرة فجعل يضربه بها , وجعل معاوية يقول: ياأمير المؤمنين اللهَ اللهَ فيَّ , فرجع عمر على مجلسه فقال له القوم, لِمَ ضربته يا أمير المؤمنين , ومافي قومك مثله؟ فقال: والله مارأيت إلا خيرا , ومابلغني إلا خير , ولو بلغني غير ذلك لكان مني إليه غير مارأيتم , ولكن رأيته - وأشار بيده - فأحببت أن أضع منه ماشمخ (2) .

(1) البداية والنهاية 8/135.

(2) البداية والنهاية 8/125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت