الصفحة 51 من 62

ولقد أثنى على أمير المؤمنين معاوية حكماء عصره وذكروا اتصافه بمكارم الأخلاق وخاصة خلق الحلم , وفي ذلك يقول الحافظ ابن كثير: وقال عبد الملك بن مروان - يوما وذكر معاوية فقال -: مارأيت مثله في حلمه واحتماله وكرمه.

وقال قبيصة بن جابر: ما رأيت أحدًا أعظم حلما , ولا أكثر سؤددا , ولا أبعد أناة , ولا ألين مخرجا , ولا أرحب بالمعروف من معاوية.

وقال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: لله در ابن هند , إن كنا لنُفْرقه (1) وما الليث على براثنه بأجرأ منه فيتفارق لنا , وإن كنا لنخدعه وما ابن ليلةٍ من أهل الأرض بأدهى منه فيتخادع لنا , والله لوددت أنا مُتِّعنا به مادام في هذا الجبل حجر - وأشار إلى أبي قبيس - (2) .

وفي قول ابن الزبير هذا وصف دقيق لمعاملة معاوية لقادة المسلمين وسادتهم , فهو جريء شجاع, ولكنه يظهر الخوف عمدا ليصل من ذلك إلى عدم إثارة المخالفين, لأن إظهار الشجاعة يثير عنصر التحدي لديهم , وهو أدهى أهل الأرض في زمانه , ولكنه يظهر الانخداع أمام محدثيه ليصل إلى تجفيف منابع نقمتهم عليه , وهو في ذلك كله يخدم هدفا ساميا وهو تحقيق حياة الرخاء والأمن للأمة الإسلامية.

ولقد تمنى ابن الزبير أن يطول عمر معاوية لأنه يخشى من تغير الأحوال من بعده, ولقد قال ذلك مع أنه من الطموحين للخلافة لأنه نظر إلى مصلحة الأمة التي تتحقق ببقاء معاوية خليفة على المسلمين.

ويصف حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما سياسة معاوية بكلام موجز, لكنه يعني خلاصة تفكير عميق حيث يقول: قد علمت بِمَ غلب معاوية الناس, كانوا إذا طاروا وقع, وإذا وقع طاروا (3) .

(1) أي لنخيفه.

(2) البداية والنهاية 8/135 - 136.

(3) البداية والنهاية 8/136.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت