الصفحة 50 من 62

قال: وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان معاوية يتمثل بهذه الأبيات كثيرًا:

فما قتَل السفاهة مثل حلم ……يعود به على الجهل الحليمُ

فلا تسْفَهْ وإن ملِّئتَ غيظا……على أحد فإن الفحش لُوْمُ

ولاتقطع أخًا لك عند ذنب……فإن الذنب يغفره الكريم

وقال: كتب معاوية إلى نائبه زياد: إنه لاينبغي أن يُساسَ الناس سياسة واحدة باللين فيمرحوا , ولا بالشدة فيُحمَلَ الناس على المهالك , ولكن كن أنت للشدة والفظاظة والغلظة , وأنا للين والألفة والرحمة , حتى إذا خاف خائف وجد بابا يدخل منه (1) .

فهذه الأقوال المروية عن أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه تبين لنا شيئًا مما اشتهر عنه من الاتصاف بخلق الحلم , وقد كان هذا الخلق همزة وصل بينه وبين من يعاملونه بشيء من الجفاء من أفراد رعيته , أو يصارحونه - بقوة - بما يرونه حقا وهو يخالفهم في ذلك.

وكان لتخلقه بخلق الحلم الذي لم يخالطه ضعف أثر في نجاحه في تثبيت أركان دولته , وذلك بمقدرته الفائقة على امتصاص غضب المخالفين , وتحويلهم إلى الرضى والقناعة بسياسته , وهكذا تأتي مكارم الأخلاق التي من أهمها الحلم والعفو والصبر والكرم لتكون من أهم عناصر السيادة.

وقد أبان في هذه الأقوال بأن الحلم يخالطه شيء من الذل , كما أن النصر يخالطه شيء من العز , ولكنه أبدى سروره بذلك الذل لما يترتب عليه من النتائج الحميدة التي منها اكتساب الأصدقاء والأنصار.

وفي كتابه إلى زياد أمير العراق بيان لسياسته الجيدة التي تخيف المتهورين الميالين إلى إحداث الفوضى والإخلال بالأمن , ولكنها في الوقت نفسه تبعث الأمل لدى من يراجعون أنفسهم ويريدون سلوك طريق الاستقامة والسلامة.

(1) البداية والنهاية 8 / 135 - 136.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت