فهرس الكتاب
قال: فلما خرجوا من عنده كان فيهم جماعة يطلبون الإمارة لأنفسهم , وفيهم من عيَّن غيره, وسعوا في السِّر مع خواص معاوية أن يفعل لهم ذلك , ثم اجتمعوا بعد انقضاء الثلاثة كما قال معاوية , والأحنف معهم , ودخلوا عليه فأجلسهم على ترتيبهم في المجلس الأول , وأخذ الأحنف إليه كما فعل أوَّلًا وحادثه ساعة , ثم قال: مافعلتم فيما انفصلتم عليه ؟ فجعل كل واحد يذكر شخصا وطال حديثهم في ذلك وأفضى إلى منازعة وجدال , والأحنف ساكت, ولم يكن في الأيام الثلاثة تحدث مع أحد في شيء , فقال له معاوية: لم لا تتكلم يا أبا بحر ؟ فقال الأحنف؟ إن ولَّيت أحدًا من أهل بيتك لم تجد من يعدل عبيد الله ولايسد مسدَّه , وإن وليت من غيرهم فذلك إلى رأيك , ولم يكن في الحاضرين الذين بالغوا في المجلس الأول في الثناء على عبيد الله من ذكره في هذا المجلس ولا سأل عوده إليهم.
قال: فلما سمع معاوية مقالة الأحنف قال للجماعة: اشهدوا علي أني قد أعدت عبيد الله إلى ولايته, فكل منهم ندم على عدم تعيينه , وعلم معاوية أن شكرهم لعبيد الله لم يكن لرغبتهم فيه, بل كما جرت العادة في حق المتولي.
قال: فلما فصل الجماعة من مجلس معاوية خلا بعبيد الله وقال له: كيف ضيعت مثل هذا الرجل- يعني الأحنف - فإنه عزلك وأعادك إلى الولاية وهو ساكت , وهؤلاء الذين قدمتهم عليه واعتمدت عليهم لم ينفعوك ولاعرجوا عليك لما فوضت الأمر إليهم , فمثل الأحنف من يتخذه الإنسان عونًا وذخرا.
قال: فلما عادوا إلى العراق أقبل عليه عبيد الله وجعله بطانته وصاحب سره (1) .
في هذا الخبر موقفان:
الأول لمعاوية رضي الله عنه حينما علم قدر الأحنف بن قيس رحمه الله وأدرك رفعة منزلته , فرفعه وأدناه منه وأظهر له كثيرًا من الاهتمام والاحترام , وهذا كما أنه يُعدُّ من تقدير أهل الفضل فهو يُعدُّ من السياسة الجيدة في احتواء أهل القوة والتأثير على الناس.
(1) وفيات الأعيان 2/503 - 504.