الصفحة 57 من 62

والثاني في بيان ماكان يتصف به الأحنف من الحلم والأناة وبُعْد النظر , فهو لم يُظهر أيَّ شيء من الغضب حينما أبعده عبيد الله بن زياد وقرَّب من أهل العراق من هم أقل شأنًا منه , ومع أن عبيد الله قد تجاهله فإنه قد رشح عبيد الله لإمرة العراق لما يرى فيه من السداد , وأنه الرجل الذي يمكن أن ترضى به الطوائف المتعددة , وفي هذا تقديم للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

وكان الأحنف قد ساد قومه بمكارم الأخلاق , ومما روي في ذلك ماذكره المؤرخ ابن خلكان في ترجمته من خبر معاوية بن هشام أنه قال لخالد بن صفوان: بِمَ بلغ فيكم الأحنف بن قيس مابلغ؟ قال: إن شئت حدثتك ألفًا , وإن شئت حذفت الحديث لك حذفا , قال: احذفه لي حذفا , قال: وإن شئت فثلاثا , وإن شئت فاثنتين وإن شئت فواحدة , قال: ما الثلاث ؟ قال: كان لايشره ولايحسد ولايمنع حقا , قال: فما الثنتان؟ قال: كان موفقا للخير معصوما عن الشر , قال: فما الواحدة ؟ قال: كان أشد الناس على نفسه سلطانا (1) .

وهذه أخلاق كلها تؤهل للسيادة , وخاصة ماذكر من امتلاكه نفسه , وإن من أهم ماينزل من قدر الرجال فلتات ألسنتهم والهفوات في سلوكهم.

من مواقف أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك رحمه الله:

ومن أخبار الولاة المتصفين بالحلم والأناة ماذكره الحافظ ابن كثير عن أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك , حيث قال فيه: وكان فيه حلم وأناة , شَتَم مرة رجلا من الأشراف فقال أتشتمني وأنت خليفة الله في الأرض ؟ فاستحيى وقال: اقتص مني بدلها - أو قال مثلها - فقال: إذًا أكون سفيهًا مثلك , قال: فخذ عوضا , قال: لا أفعل , قال: فاتركها لله , قال: هي لله ثم لك , فقال هشام عند ذلك: والله لا أعود إلى مثلها (2) .

(1) وفيات الأعيان 2/500.

(2) البداية والنهاية 9/366.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت