فهرس الكتاب
هذا مثل في الحلم والوقار , وإذا كان هشام بن عبد الملك قد زل لسانه بقول مالا يحمد فإنه قد أنصف من نفسه بالاعتذار من الخطأ , وهذا دليل على تواضعه وعلو تفكيره حيث قدم رعاية مكارم الأخلاق على النظر إلى حظ نفسه ومجده الدنيوي.
من مواقف أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور رحمه الله:
من أخبار الحلم والعفو ماذكر عن محمد بن رباح الجوهري قال: ذُكر لأبي جعفر تدبير هشام بن عبد الملك في حرب كانت له , فبعث إلى رجل كان معه ينزل الرصافة - رصافة هشام- يسأله عن تلك الحرب , فقدم عليه , فقال: أنت صاحب هشام ؟ قال: نعم ياأمير المؤمنين, قال: فأخبرني كيف فعل في حرب دبَّرها في سنة كذا وكذا ؟ قال: إنه فعل فيها رحمه الله كذا وكذا , ثم أتبع بأن قال: فعل كذا رضي الله عنه , فأحفظ ذلك المنصور فقال: قم عليك غضب الله ! تَطَأُ بساطي وتترحم على عدوي ! فقام الشيخ وهو يقول: إن لعدوك قلادةً في عنقي ومنَّةً في رقبتي لاينزعها عني إلا غاسلي.
فأمر المنصور بردِّه وقال: اقعد , هيه كيف قلت: فقلت إنه كفاني الطلب , وصان وجهي عن السؤال , فلم أقف على باب عربي ولا أعجمي منذ رأيته , أفلا يجب علي أن أذكره بخير وأُتبعه بثنائي! فقال: بلى: لله أمٌّ نهضت عنك وليلةٌ أدَّتْك , أشهد أنك نَهيضُ حرَّة وغراس كريم.
ثم استمع منه , وأمر له ببرّ , فقال: يا أمير المؤمنين ما آخذه لحاجة وماهو إلا أني أتشرف بحبائك وأتبجَّح بصلتك , فأخذ الصلة وخرج , فقال المنصور , عند مثل هذا تَحسُن الصنيعة ويوضع المعروف ويُجَاد بالمصون , وأين في عسكرنا مثله ! (1) .
ففي هذا الخبر موقفان: الأول موقف صاحب هشام الذي حفظ المعروف ولم ينس الجميل, فأثنى على صاحبه في بلاط حاكم قد عادى صاحبه وأزال دولته وكونه صرح بذلك الثناء وهو في ذلك المكان دليل على اتصافه بخلق الوفاء وخلق الشجاعة.
(1) تاريخ الطبري 8/78 - 79.