فهرس الكتاب
والموقف الثاني: موقف أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور الذي بهرته أخلاق ذلك الرجل فأثنى عليه ذلك الثناء العاطر , ولم تأخذه العزة بالإثم فيلجأ إلى قوته وهيمنته وينتقمَ من ذلك الرجل, بل غلَّب عقله الرشيد على عاطفته وازْدَان بخلق الحلم والإنصاف فأثنى على ذلك الرجل ووصله.
ومن مكارم الأخلاق في مجال الحلم والعفو عند المقدرة ماذكره أبو جعفر الطبري من خبر داود بن رشيد عن أبيه أن المنصور خطب فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له.. فاعترضه معترض عن يمينه , فقال: أيها الإنسان أُذكِّرك من ذكَّرتَ به , وأعوذ بالله أن أكون جبارًا عنيدًا , وأن تأخذني العزة بالإثم , لقد ضللتُ إذًا وماأنا من المهتدين , وأنت أيها القائل فوالله ما أردتَ بها وجه الله , ولكنك حاولت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر , وأَهْوِنْ بها ويلك لو هممت , فاهْتَبِلْها إذا غفَرْت , وإياك وإياكم معشر الناس أختَها , فإن الحكمة علينا نزلت , ومن عندنا فصلت فردوا الأمر إلى أهله توردوه موارده , وتصدروه مصادره , ثم عاد في خطبته فكأنه يقرؤها من كفه , فقال: وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (1) .
فهذا الخبر يشتمل على مجموعة من الأخلاق تخلَّق بها أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور , حينما سمع كلام ذلك الرجل المعترض عليه في خطبته.. من الصبر على الأذى والحلم والعفو عند المقدرة , إلى جانب اتِّصافه بالفصاحة والمقدرة البيانية ,وهذه من دلائل عظمته ونبوغه , ولقد كانت هذه الأخلاق والصفات وغيرها من فضائله أثرًا ظاهرًا للتربية العلمية والدينية التي تلقَّاها على يد شيوخ العلم الربانيين المربين , فقد جالس العلماء طويلا حتى أصبح معدودا منهم لولا اشتغاله بسياسة أمور الأمة.
(1) تاريخ الطبري 8/90.