الصفحة 60 من 62

ومن مواقف أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور في الحلم والعفو ماذكره الإمام محمد بن جرير الطبري عن الفضل بن الربيع عن أبيه أنه قال: بينا أنا قائم بين يدي المنصور أو على رأسه إذا أُتِيَ بخارجيّ قد هزم له جيوشًا , فأقامه ليضرب عنقه , ثم اقتحمته عينه فسب أمه وقال: مثلك يهزم الجيويش ! فقال له الخارجي: ويلك وسوءة لك ! بيني وبينك أمس السيف والقتل واليوم القذف والسب, وماكان يؤمِّنك أن أرد عليك وقد يئستُ من الحياة فلا تستقيلها أبدا ! قال: فاستحيى منه المنصور وأطلقه , فما رأى له وجهًا حولا (1) .

فهذا رجل قد أعلن الحرب على دولة أبي جعفر المنصور , وهذا يعني أنه يريد قتله وقتل رجال دولته وإزالة ملكه , وكان جزاءه أن قدمه المنصور للقتل لما ظفر به , ولكنَّ فلتةً من لسان المنصور أنقذت ذلك الرجل , فالرجل محارب ولايعترض على الانتقام منه بالقتل, لأنه لم يخرج إلا وقد وطن نفسه لذلك , ولكنه لم يحتمل قذف وسب أمه , لأن أمه لاعلاقة لها بما حدث, فسبها وقذفها من اتهام الأبرياء , وقد ذكَّر هذا الرجل الخارجي المنصور بأنه باستطاعته أن يرد عليه بسباب يعلق بأذهان الناس , فيتمنى المنصور أنه سلم من إثارة ذلك الرجل , ولن يفعل المنصور به أكثر من القتل , ولن يمنعه من ذلك رجاء الحياة لأنه قد يئس منها , وقد استحيى المنصور من ذلك الجواب الذي يدل على أدب رفيع من ذلك الخارجي , حيث لم يأبه بالقتل وغضب من سماع قذف أمه , وهذا يدل على نبل المنصور وحلمه , حيث قدر هذا التفكير العالي من ذلك الرجل فعفا عنه وأطلقه.

من مواقف الوزير يحيى بن هبيرة رحمه الله:

(1) تاريخ الطبري 8/68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت