فهرس الكتاب
من ذلك ما أخرجه الخطيب البغدادي من خبر أبي بكر أحمد بن جعفر بن سلم قال: لما قدم علينا أبو مسلم الكجِّي أملى الحديث في رحبة غسان , وكان في مجلسه سبعة مستملين يبلِّغ كل واحد منهم صاحبه الذي يليه , وكتب الناس عنه قيامًا بأيديهم المحابر , وحُسِب من حضر بِمِحْبَرة فبلغ ذلك نيفا وأربعين ألف محبرة سوى النظارة (1) .
وذكرها الإمام الذهبي وقال: إسنادها صحيح (2) .
وهذا عدد كبير يدل على عزة العلماء ومكانتهم وشدة إقبال الطلاب عليهم , ولو تمت المقارنة مع الدراسة في هذا العصر لكان هؤلاء الطلاب الذين يجتمعون في درس واحد يعادلون طلاب جامعة من أكبر الجامعات .
موقف لأبي حاتم الرازي رحمه الله:
كان العلماء يتدرجون في العلم , فالقرآن أولًا , ثم السنة ثم العلوم الأخرى , ومن أمثلة ذلك مارُوي عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: لم يَدَعْني أبي أشتغل في الحديث حتى قرأت القرآن على الفضل بن شاذان الرازي , ثم كتبت الحديث (3) .
فهذا الحافظ عبد الرحمن بن الحافظ أبي حاتم الرازي أراد التوجه إلى تلقِّي الحديث وحفظه من صغره , وذلك لشهرة هذا العلم آنذاك , ولكن أباه منعه من ذلك حتى يتقن القرآن الكريم على الشيوخ .
ويشبه اندفاع ابن أبي حاتم نحو علم الحديث مايتوجه إليه بعض المبتدئين في هذا العصر من طلب دراسة مصطلح الحديث , وبعضهم لايحسن قراءة القرآن , وإن أحسنوا ذلك فإنهم قد أهملوا المرحلة الثانية وهي قراءة كتب السنة على الشيوخ .
فهؤلاء المبتدؤون الذين يتوجهون أولًا لدراسة مصطلح الحديث إن كان هدفهم من هذه الدراسة أن يجعلوا من أنفسهم حكاما يحكمون على الأحاديث ويُخَطِّؤون العلماء فليعلموا أنهم ليسوا على منهج صحيح , وليدخلوا البيوت من أبوابها , وليتدرجوا في التعلم كما سلك أهل العلم من قبلهم.
(1) …تاريخ بغداد 6/121 - 122 .
(2) …سير أعلام النبلاء 13/424 .
(3) …سير أعلام النبلاء 13/265 .