فهرس الكتاب
الرابع: الكفاءة والخبرة وهي أيضًا شرط أساسي , وقد ذكرها بقوله"وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -"يعني أنه خبير بذلك , وقد ذكر الله سبحانه هذين الأمرين على لسان ابنة شعيب حينما وصفَتْ موسى عليه السلام بذلك بقولها [ القصص: 26] فالكفاءة في ذلك العمل تعني قوة البدن وقد توافرت في موسى عليه السلام مع اتصافه بالأمانة , كما ذكرهما الله سبحانه على لسان يوسف عليه السلام حين قال لملك مصر [ يوسف: 55] فالحفظ هو الأمانة , والعلم هو الكفاءة والخبرة .
-مواقف في حفظ السنة -
من أخبار أبي هريرة رضي الله عنه:
إن أبرز حفاظ الإسلام أبو هريرة الدوسي رضي الله عنه محدث الأمة الأكبر وحافظها الأول, حيث قد فَرَّغ وقته لملازمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحفظ أحاديثه , ولم ينشغل عن ذلك بمتابعة أمور الدنيا , بل كان يكتفي من الطعام بِلُقَيمات يُقمْن صُلبه , وفضَّل أن يبقَى في الصفَّة مع المساكين ليتفرغ لملازمة النبي - صلى الله عليه وسلم - واستيعاب أكبر قدر من أحاديثه , فكان بذلك أكثر الصحابة حفظًا للسنة النبوية ولم يقاربه في ذلك أحد , وبلغ عدد تلاميذه الذين رَوَوا عنه أكثر من ثمانمائة.
ومع كثرة روايته فإنه كان حافظًا متقنا لم تتغير روايته على مرِّ السنين , ومن أدلة ذلك مارُوي عن أبي الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم: أن مروان أرسل إلى أبي هريرة فجعل يسأله , قال: وأجلسني خلف السرير وأنا أكتب , حتى إذا كان رأس الحول دعا به , فأقعده من وراء الحجاب , فجعل يسأله عن ذلك الكتاب فما زاد ولانقص ولاقدَّم ولا أخرَّ .
ذكره الإمام الذهبي وقال: هكذا فليكن الحفظ (1) .
وإذا كان كذلك فلا عجب في أن يكون قد حفظ أكثر من خمسة آلاف حديث بمجرد سماعها , واحتفظ بها في ذاكرته إلى أن وافاه الأجل , مادام الله تعالى قد وهبه هذا الحفظ القوي وسرعة التذكر .
(1) … سير أعلام النبلاء 2/598 .