ثم تعلو نبرة العتاب وتشتد لهجته وينتقل إلى التعجيب من ذلك الفعل محل العتاب: «أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى،فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى؟! وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى؟! وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى،فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى؟!» ..
أما من أظهر الاستغناء عنك وعن دينك وعما عندك من الهدى والخير والنور والطهارة ..أما هذا فأنت تتصدى له وتحفل أمره،وتجهد لهدايته،وتتعرض له وهو عنك معرض! «وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى؟» ..وما يضيرك أن يظل في رجسه ودنسه؟ وأنت لا تسأل عن ذنبه.وأنت لا تنصر به.وأنت لا تقوم بأمره .. «وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى » طائعا مختارا، «وَهُوَ يَخْشى » ويتوقى «فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى!» ..ويسمي الانشغال عن الرجل المؤمن الراغب في الخير التقي تلهيا ..وهو وصف شديد ..
ثم ترتفع نبرة العتاب حتى لتبلغ حد الردع والزجر: «كَلَّا!» ..لا يكن ذلك أبدا ..وهو خطاب يسترعي النظر في هذا المقام.
ثم يبين حقيقة هذه الدعوة وكرامتها وعظمتها ورفعتها،واستغناءها عن كل أحد.وعن كل سند.وعنايتها فقط بمن يريدها لذاتها،كائنا ما كان وضعه ووزنه في موازين الدنيا: «إِنَّها تَذْكِرَةٌ.فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ.فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ.مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ.بِأَيْدِي سَفَرَةٍ.كِرامٍ بَرَرَةٍ» ..فهي كريمة في كل اعتبار.كريمة في صحفها،المرفوعة المطهرة الموكل بها السفراء من الملأ الأعلى ينقلونها إلى المختارين في الأرض ليبلغوها.وهم كذلك كرام بررة ..فهي كريمة طاهرة في كل ما يتعلق بها،وما يمسها من قريب أو من بعيد.وهي عزيزة لا يتصدى بها للمعرضين الذين يظهرون الاستغناء عنها فهي فقط لمن يعرف كرامتها ويطلب التطهر بها.
هذا هو الميزان.ميزان اللّه.الميزان الذي توزن به القيم والاعتبارات،ويقدر به الناس والأوضاع ..وهذه هي الكلمة.كلمة اللّه.الكلمة التي ينتهي إليها كل قول،وكل حكم،وكل فصل.
وأين هذا؟ ومتى؟ في مكة،والدعوة مطاردة،والمسلمون قلة.والتصدي للكبراء لا ينبعث من مصلحة ذاتية والانشغال عن الأعمى الفقير لا ينبعث من اعتبار شخصي.إنما هي الدعوة أولا وأخيرا.ولكن الدعوة إنما هي هذا الميزان،وإنما هي هذه القيم،وقد جاءت لتقرر هذا