فهذا شأنهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وقد جاء عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنَّه قال: كنَّا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن لم نتجاوزهنَّ حتى نتعلَّم معانيهنَّ والعمل بهنَّ فتعلَّمنا العلم والعمل جميعا. هذا شأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، حرصوا غاية الحرص وبذلوا ما يستطيعون في تحمُّل هذه الشريعة وتلقيها عن المصطفى صلى الله عليه وسلَّم وقد قاموا بما يجب عليهم نحوها تحملًا وتأديةً على التمام والكمال وكان هذا من أسباب فضلهم وشرفهم ونُبلهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم لأنَّ كلَّ من جاء بعدهم لا يعرف الحق والهدى إلاَّ من طريقهم ولم يبلغه الكتاب والسنَّة إلاَّ بواسطتهم فهم الواسطة بين الأمَّة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولم يحصل للنَّاس شيء من الحق والهدى إلاَّ عن طريقهم رضي الله عنهم وأرضاهم. ومن إستغنى عما جاء عن طريقهم فإنَّه لم يظفر بشيء من الحق وإنَّما ظفر بالخذلان وظفر بالحرمان وسلوك سبيل غير المؤمنين لأنَّه لا صلة تربط المسلمين برسول الله صلى الله عليه وسلَّم من بعد عهد الصحابة إلى يوم قيام الساعة إلاَّ بالأخذ عن الصحابة ولهذا كان شأنهم رضي الله عنهم وأرضاهم أنَّ لهم من الأجور ولهم من الثواب ما لم يكن لأحد بعدهم وذلك أنَّ لحق والهدى الذي دلّوا عليه واستفاد منهم من جاء بعدهم لهم مثل أجور كلِّ من استفاد هذا العلم عنهم واستفاد من هذا الخير بسببهم فلهم مثل أجور الأمَّة منذ زمانهم إلى قيام الساعة وهذا فضل عظيم من الله عزَّ وجلَّ عليهم وهذا مما فَضَلُوا به غيَرهم وتميَّزوا به على غيرِهِم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.