ثم إنَّ هؤلاء العلماء الذين هذا شأنهم وهذا وصفهم بذلوا ما يستطيعون في الوصول إلى الحق وفي تحصيل العلم النافع وفي معرفة الأحكام الشرعية فقد بذلوا وسعهم وتوصلوا إلى ما توصلوا إليه وقد كانوا جامعين بين معرفة الدليل والفقه في الدليل وهذا هو الغالب على كثير منهم فإنَّهم جمعوا بين الفقه والحديث، جمعوا بين معرفة الآثار وحفظها واستيعابها وبين الفقه فيها فكانوا أوعيةً للعلم وحفَّاظًا له وكانوا أيضًا متمكنين في فهمه وفي معرفته، ولهذا كانوا يجمعون بين الدراية والرواية، لا يكون همهم الرواية فقط ولا همهم الدراية فقط وإنما همهم أن يجمعوا بين العلم والعمل وأن يجمعوا بين حفظ الأدلة وبين الفقه فيها ومعرفتها، ثمَّ إنَّهم يتفقون فيما يتفقون فيه ويختلفون فيما يختلفون فيه وهذا الذي يختلفون فيه منه ما هو اختلاف تنوّع ومنه ما هو اختلاف تضاد فاختلاف التنوُّع لا يؤثر، ولا حرج فيه ولا يُقال إنَّ هذا مصيب وهذا مخطئ بل كلهم مصيبون، لأن اختلاف التنوع كله جاءت به السنَُّة وكله حق، إن أخذ بهذا فحسن وإن أخذ بهذا فحسن وهذا لا ُيضاد هذا ولا يٌخالف هذا، وهذا مثل ألفاظ الأذان ومثل ألفاظ الاستفتاح ومثل ألفاظ التشهد وكل ما وردت به السنَّة وكل ما ثبتت به من هذه الصيغ فان الأخذ بأي واحد منها يُعتبر حقًا ولا يُعتبر أحدهم مصيب والآخرون مخطئون وإنَّما كلُّهم مصيبون لأن هذا حق .. وهذا حق .. وهذا حق .. وهذا حق، وهذا يُسمى اختلاف تنوُّع.