وقد أدى هذا الربط بين مجالات التوعية العقيدية، والاجتماعية والسياسية من ناحية، والمسجد من ناحية أخرى، إلى رفع وعي المرأة المسلمة, ومتابعتها لأمور دينها ومجتمعها, وما يطرأ عليه من أحوال؛ حيث تزامن مع وعيها بذاتها ومسئوليتها،، وهو ما عبرت عنه السيدة أم سلمة حين دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلى صلاة جامعة وجاريتها تمشطها, فسمعت رسول الله يقول:"يا أيها الناس", فقالت للجارية: استأخري عني، فقالت: إنما دعا الرجال, ولم يدع النساء، فقالت: إني من الناس [1] .
فالوعي أبرز محددات المشاركة؛ حيث يزيد من فاعلية المرأة، بل قد يرفع بالدأب مستوى أهلية المرأة من العموم إلى الخصوص, وقد أدى ربط النساء بالمسجد، محور المجتمع الإسلامي، إلى رفع وعيهن, وزيادة درجة مشاركتهن, وهو ما أثمر في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم- العديد من النماذج البارزة من الصحابيات [2] , ولا شك أن الضعف الذي أصاب الممارسة الإسلامية بعد المرحلة النبوية قد انعكس سلبا على أوضاع المرأة، فسرعان ما عادت التقاليد تحكم نظرة المجتمع لها ولحركتها الاجتماعية، واستغل النص الشرعي بشكل جزئي يتجاهل الرؤية الكلية, والمقاصد الشرعية، وكانت البداية هي منع النساء من ارتياد المسجد، مما أدى لتراجع وعيها, وتحجيم مشاركتها الاجتماعية والسياسية، ثم تراجعت الشورى بعد الخلافة الراشدة على مستوى الأمة, وساد جو سياسي استبدادي انعكس دوره على مختلف الفئات، ومن بينها النساء.
وإذا كانت الدولة الإسلامية في مراحلها المختلفة, قد خصصت مؤسسات لأداء الوظائف العديدة الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم- والخلافة الراشدة، فإن الأصل أن تشارك المرأة في هذه الفعاليات، ويصبح واجبًا على الدولة الآن توفير الظروف الملائمة لها؛ لتحصيل الوعي في المؤسسات التعليمية, والإعلامية, والاجتماعية, والسياسة، وعليها هي السعي في ذلك تبعا لأهليتها, وبقدر تخصص هذه المؤسسات.
(1) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا -صلى الله عليه وسلم- جـ 15 ص 56.
(2) حول دور الصحابيات في المجتمع الإسلامي: انظر على سبيل المثال كتاب مئة أوائل من السناء - سليمان سليم البواب ط 3 دمشق - دار الحكمة للطباعة والنشر 1986م وكتاب نساء الصحابة -رضي الله عنهم- عبد العزيز الشناوي- القاهرة -مكتبة التراث الإسلامي 1989م.