التمهيد
الوعي السياسي للمرأة في عصر الرسالة
إن المرأة تتمتع في الرؤية الإسلامية بالأهلية السياسية في مستوياتها المختلفة، وهذا يقتضيها أن تكون في ثقافتها, واهتمامها بالشئون العامة على المستوى الذي تحسن به فهم تلك الشئون ومتابعتها, وتعرف ما فيها من خطأ وصواب, فشئون المسلمين تضيق وتتسع في أذهان الناس بحسب ثقافة كل منهم وسعة آفاقه العقلية, واستعداده الخاص، والمرأة في ذلك كله كالرجل، والميدان الذي يمكن أن تؤدي فيه دورها في رعاية المجتمع, والنهوض به واسع رحب [1] .
ولا يمكن فهم السلوك السياسي للمرأة بمعزل عن التنظيم الاجتماعي لمجتمع ما، والحركة السياسية للمرأة في الرؤية الإسلامية, لا تنفصل عن الحركة الاجتماعية، وقد يعد فهم هذه الأخيرة, أهم مداخل العمل السياسية للمرأة في المجتمع الإسلامي.
وقد خفف الله عن المرأة, فلم يكلفها شهود الجمع والجماعة، والحكم في ذلك يخاطب عامة النساء، واللاتي أمرن في نفس الوقت بشهود صلاة العيدين حتى حال الحيض، أي أن تخفيف العبادات للظروف الخاصة بالمرأة, لم يقترن بالتخفيف من مشاركتها في التجمعات الموسمية العامة، فيروي البخاري عن أم عطية:"أن رسول الله أمر يوم العيد أن تخرج البكر من خدرها, حتى تخرج الحيض, فيكن خلف الناس, يكبرن بتكبيرتهم, ويدعون بدعائهم, يرجون بركة هذا اليوم, وطهره" [2] .
وكان عمر -رضي الله عنه- يكبر في قبة بمنى تلك الأيام, فيسمعه أهل المسجد, فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج تكبيرا، وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام, وخلف الصلوات, وعلى فراشه, وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعًا، وكانت ميمونة تكبر يوم النحر, وكن نساء يكبرن خلف أبان بن عثمان, وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجل في المسجد [3] ، فإذا ذهب البعض إلى أن الأمر كان على باب الندب أو الإباحة, فإن الحديث الذي روته السيدة حفصة يرد هذا الزعم، إذ تروي: سألت أختي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: هل على إحدانا بأس إن لم يكن لها جلباب ألا تخرج؟ قال: لتلبسها صاحبتاها من جلبابها, ولتشهد الخير ودعوة المؤمنين, فلما قدمت أم عطية -رضي الله عنها- سألتها ,وكانت لا تذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا قالت بأبي، فقلنا أسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: كذا وكذا قالت: نعم بأبي، فقال: لتخرج العواتق وذوات الخدور والحيض فيشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيض المصلي، فقلت: الحائض؟ فقالت: أو ليس تشهد عرفة وتشهد كذا وتشهد كذا [4] .
فعامة النساء ملزمات شرعًا بحضور صلاة العيدين، وهي الاجتماع السياسي العام, الذي يتم في العام مرتين في موعد لا يتخلف ولا يمكن إلغاؤه، وتناقش فيه قضايا الأمة، وهو الحد الأدنى للوعي اللازم لكافة النساء, اللاتي قد تمنعهن مسئولية الأسرة من حضور تجمعات كالجمعة وصلاة الجماعة؛ لذا فقد سعى رسول الله إلى تحقيق أكبر استفادة للنساء في قاعدتهن العريضة، فحرص على تكرار وعظهن حين ظن أنه لم يسمعهن في أحد الأعياد، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «قام النبي - صلى الله عليه وسلم- يوم الفطر, فصلى, فبدأ بالصلاة, ثم خطب، فلما فرغ نزل, فأتى النساء فذكرهن وهو يتكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء الصدقة قلت لعطاء: زكاة يوم الفطر؟ قال: لا، ولكن صدقة يتصدقن حينئذ: تلقي فتخها ويلقين قالت: أترى حقا على الإمام ذلك؟ قال: إنه لحق عليهم، وما لهم لا يفعلونه؟ [5] » ، وفي رواية أخرى:"أن رسول الله خرج ومعه بلال, فظن أنه لم يسمع، فوعظهن وأمرهن" [6] .
وكذلك تشهد المرأة الصلاة الجامعة، وهي الصلاة التي يدعو لها الإمام في المسجد الجامع لمناقشة الأمور الهامة الطارئة أو إخبار المسلمين بها [7] .
أما النساء اللاتي يتمتعن بأهلية خاصة, ومستوى أعلى من الوعي, وتمكنهم الظروف من شهود الجمع والجماعات, فقد كفل لهن التوجيه النبوي ذلك, وأمر الرجال بعدم منعهن حتى في صلاة العشاء والفجر، عن ابن عمر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا استأذنكم نسائكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن» [8] . وهذه هي الأوقات التي يتلى فيها القرآن في المسجد, فيكون مصدر التربية العقيدية, والوعي الاجتماعي والسياسي في آن واحد، وهو مجال اختياري غير نظامي؛ لرفع الوعي العام لدى المرأة، والسياسي على وجه الخصوص، بشكل كفائي، ويليه إطار أكثر نظامية؛ لرفع الوعي لهذه الفئة من النساء, وهو دروس العلم، حيث خصص رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: يومًا للنساء يعلمهن فيه أمور الدين، عقيدة وشريعة عن أبي سعيد الخدري قال:
قال النساء للنبي - صلى الله عليه وسلم-: غلبنا عليك الرجال, فاجعل يومًا من نفسك, فوعدهن يومًا؛ لقيهن فيه, فوعظهن, وأمرهن [9] .
(1) المرأة والعمل السياسي - هبة رؤوف ص 106.
(2) أخرجه البخاري، كتاب العيدين، باب خروج النساء والحيض إلى المصلي جـ ,1 ص 534، 535 حديث رقم 981.
(3) أخرجه مسلم: كتاب صلاة العيدين، باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلي جـ1، ص 178، 179.
(4) أخرجه البخاري: كتاب العيدين - باب إذا لم يكن لها جلباب في العيد جـ 2، ص 543، 544 حديث رقم 980، وحديث رقم 978 (اللفظ له) .
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب عظة الإمام النساء وتعليمهن 1/ ص 232 حديث رقم 98.
(6) المرجع السابق نفسه.
(7) صحيح البخاري: كتاب العيدين جـ 6، ص 173، مسلم في كتاب الفضائل - باب إثبات حوض نبينا -صلى الله عليه وسلم- وصفته 15/ 56.
(8) راجع البخاري: كتاب الآذان - باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس جـ 2، ص 404 حديث 865، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة - باب خروج النساء إلى المساجد، جـ 4 ص 161.
(9) راجع البخاري: كتاب العلم باب هل يجعل للنساء يوم على حده في العلم جـ 1، ص 108، حديث 101، باب عظة الإمام النساء وتعليمهن جـ 1، ص 305 حديث 98.