فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 457

قوله: (وخبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبول) المراد بخبر الواحد: حديث الآحاد كما تقدم، والذي تعم به البلوى هو: ما يكثر وقوعه بين الناس؛ كأحكام الصلاة والصيام والطهارة، ونحو ذلك، كرفع اليدين في الصلاة، ونقض الوضوء من مس الذكر، وغيرهما.

فهذا يقبل فيه خبر الواحد، وهو مذهب الجمهور؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقبلون خبر الواحد فيما تعم به البلوى، كقبولهم خبر عائشة رضي الله عنها في وجوب الغسل من الجماع بدون إنزال، فإن بعض الصحابة رضي الله عنهم كان يفتي بعد موت النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم بأن الماء من الماء لا غير، فنازعه بعضهم في ذلك، فأرسلوا إلى عائشة رضي الله عنها أبا موسى رضي الله عنه يسألها. فروت لهم عن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا التقى الختانان ـ وفي رواية: إذا مسَّ الختان الختان ـ وجب الغسل» [ (362) ] . فرجعوا إلى قولها.

ولأن الراوي عدل جازم بالرواية، وصدقه ممكن، فلا يجوز تكذيبه مع إمكان صدقه.

ولأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد يبلغ الشاهد، ويأمره بتبليغ الغائب.

قوله: (خلافًا لأكثر الحنفية) وهم المتأخرون منهم، حيث قالوا: لا يقبل خبر الواحد في ذلك؛ لأن ما تعم به البلوى تتوفر الدواعي على نقله، فلا يقبل إلا متواترًا.

والصواب الأول، وما استند إليه المانعون مردود، فإن ما تعم به البلوى قد يكثر السؤال والجواب عنه، ولا يكثر النقل، ولذا اختلف في كلمات الأذان مع أنه يسمع في اليوم خمس مرات، ولم ينقل نقلًا عامًا، وكذا مناسك الحج، وصفة الصلاة، ثم إن مذهبهم هذا منقوض، فإنهم أثبتوا وجوب الوتر، والوضوء بالقهقهة داخل الصلاة، بخبر الواحد، واختاروا تثنية الإقامة في الصلاة، وأوجبوا الوضوء بخروج النجاسة من غير السبيلين، كالقيء والرعاف، ونحو ذلك بخبر الواحد، وكل ذلك مما تعم به البلوى [ (363) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت