فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 457

وما حكاه المصنف هو قول متأخري الحنفية. ولم يعرف عن متقدميهم إلا ما نقل عن الكرخي من القول بالمنع [ (364) ] ، والظاهر أن الحنفية يقبلون خبر الواحد فيما تعم به البلوى باشتهار أو تلقي الأمة له بالقبول، كما ذكره صاحب «التحرير» وغيره [ (365) ] .

قوله: (وفي الحدود وما يسقط بالشبهة) أي: وخبر الواحد مقبول في إثبات الحدود وما يسقط بالشبهة، كإثبات النفي والجلد على الزاني البكر، بخبر العسيف [ (366) ] . وذلك لأن الحدود تثبت بغلبة الظن، ولهذا ثبتت بالشهادة، فوجب أن يقبل فيها خبر الواحد، كسائر الأحكام الشرعية.

قوله: (خلافًا للكرخي) أي: إن أبا الحسن الكرخي الذي انتهت إليه رئاسة الحنفية في عصره قال: لا يقبل خبر الآحاد فيما يسقط بالشبهة كالحدود؛ لأن خبر الواحد مظنون غير مقطوع بصحته، فصار ذلك شبهة، فلا يثبت به الحد [ (367) ] .

وهذا قول ضعيف، لأن مؤدى ذلك أن لا تقبل الشهادة في الحدود؛ لأنه غير مقطوع بصحتها، وهذا لا يقول به أحد.

قوله: (وفيما يخالف القياس) أي: خبر الواحد مقدم على القياس، فيقبل ويعمل به ولو خالفه، ونسبه أبو الخطاب إلى عامة الفقهاء [ (368) ] .

وذلك لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على تقديم خبر الواحد على القياس، فلا يستعملونه مع وجود النص، فقد ورد عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر رضي الله عنه نَشَدَ الناس: مَنْ سَمِعَ النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم قضى في السِّقْط؟ فقال المغيرة: أنا سمعته قضى فيه بغرةٍ عبدٍ أو أمة، قال: ائت بمن يشهد معك على هذا؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا أشهد على النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم بمثل هذا [ (369) ] .

ومِثْلُ تقديمِ خبرِ «صاعٍ من تمر» في المصراة [ (370) ] على القياس الذي هو ردُّ مثلِ اللبنِ المحلوب من المصراة، لأن القياس ضمان المثلي بمثله، والتمر ليس مثلًا للبن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت