فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 457

وأمَّا قولهم: إن الحجة في المحكي لا في لفظ الحاكي، فليس بشيء، بل الحجة في عموم لفظ الحاكي؛ إذ أنه عدل عارف بدلالات الألفاظ، كما تقدم.

قوله: (والمعتبر اللفظ، فيعم وإن اختص السبب) إذا ورد العام على سبب خاص، فهل يسقط عمومه؟ هذه المسألة لها حالتان:

الأولى: ألا يدل دليل على تخصيص العموم، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، سواء كان السبب سؤالًا أم واقعة، فيجب العمل بعمومه، ومثاله: ما ورد أن قومًا من الصحابة رضي الله عنهم قالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر ولو توضأنا بما معنا من الماء عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» [ (490) ] .

فصيغة العموم وهي قوله: «هو الطهور ماؤه» تدل بعمومها على أن ماء البحر مطهِّر كل أنواع التطهير، في حال الضرورة والاختيار، ولا عبرة بورود السؤال عن شيء خاص، وهو الوضوء، ولا بكون السؤال ورد في حال الضرورة، وهو خشية العطش.

ومثال ذلك ـ أيضًا ـ حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلًا أصاب من امرأة قُبلة، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فذكر ذلك له، فأُنزلت عليه {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ *} [هود: 114] قال الرجل: ألي هذه؟ قال: «لمن عمل بها من أمتي» وفي رواية: «بل للناس كافة» [ (491) ] .

ومثل ذلك ـ أيضًا ـ: آيات الظهار التي في أول سورة المجادلة فإن سبب نزولها ظهار أوس بن الصامت رضي الله عنه، والحكم عام فيه وفي غيره، لأن الله تعالى قال: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ} [المجادلة: 2] والاسم الموصول من صيغ العموم، ولم يرد دليل مخصِّص، وعدول الشارع عن اللفظ الخاص إلى اللفظ العام لا بُدَّ له من فائدة، وفائدته هي تعميم الحكم، فإن الكتاب والسنة إنَّما جاءا لبيان أحكام الشريعة العامة [ (492) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت