فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 457

الثانية: أن يدل دليل على تخصيص العام بما يشبه حال السبب الذي ورد من أجله العام، فيختص بما يشبهها.

وذلك كحديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس من البر الصيام في السفر» ، فإن سببه أنه صلّى الله عليه وسلّم كان في سفر فرأى زحامًا، ورجلًا قد ظلل عليه. فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم. فقال: «ليس من البر الصيام في السفر» [ (493) ] ، فهذا الحديث عام؛ لعموم (البر) ، و (الصيام) ، فدل على انتفاء كلِّ برٍّ عن كلِّ صيامٍ في السفر، لكن لا يؤخذ بعمومه في الأحوال، فيحكم على الصيام في السفر بأنه ليس من البر، وإنَّما هو خاص بمن يشبه حال الصحابي الذي قيل الحديث بسببه ـ كما ذكر ابن دقيق العيد رحمه الله [ (494) ] ـ.

والدليل على ذلك: أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم صام في السفر، حيث لا يشق عليه، وهو لا يفعل ما ليس برًا [ (495) ] .

وقوله: (وقال مالك وبعض الشافعية: يختص بسببه) هذا القول الثاني في مسألة ورود العام على سبب الخاص. وهو أن العام يختص بسببه، ولا يتعداه إلى غيره؛ أما ما شابهه فلا يُعلم حكمه من النص العام، وإنما بالقياس أو من نص آخر؛ لأن الكلام إنما سيق لأجل السبب، فهو كالجواب له، والجواب شأنه أن يكون مطابقًا للسؤال ولا يزيد عليه، فيخصَّص العموم به [ (496) ] .

وقد ذكر الشنقيطي رحمه الله أن مالكًا رحمه الله يوافق الجمهور في هذه المسألة [ (497) ] . وحكى القرافي رحمه الله عن مالك روايتين، وأمَّا الشافعية فلهم قولان.

وثمرة الخلاف في هذه المسألة أن من يرى العبرة بعموم اللفظ يكون تعدية الحكم عن السبب من دلالة النص، ومن يرى العبرة بخصوص السبب تكون التعدية عن طريق القياس، كما تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت