الصفحة 3 من 20

مقدمة

لا شكَّ أن المتتبِّعَ لتاريخ ترجمات القرآن إلى اللغات الأوروبية سيجد نفسَه أمام الاستثناء الإسبانيّ. فإسبانيا التي كانت مسلمة في القرون الماضية وجدت نفسَها مجبرةً أمام ضغوط الكنيسة والحكّام المسيحيين على أن تطويَ صفحاتٍ من تاريخِها، ففُرِضَتْ المسيحية على كل السكّان الذين كانوا يعيشون في شبه الجزيرة الأيبيرية. فأصبحت بذلك المسيحية ديانة وجنسية اعتمدَتْ عليها القوى الحاكمة في تكوين الهوية الجديدة لإسبانيا الحالية، وأضحى كلُّ من لا يدين بالمسيحية مهدَّدًا عند أدنى وشاية أن يجد نفسَه أمام محاكم التفتيشِ التي نادرًا ما نجا مَنْ عُرِضوا عليها من المحرقة. وأعقبَ ذلك محاولات لطمس كل ما له علاقة بالإسلام والمسلمين، فأُحرقت الكتب وأُجْبِر المسلمون على التنصُّر الجماعي ومُنِعَ تَعَلُّم العربية، وجُعِلَ القرآن هدفًا لمحاكم التفتيش ولرجال الكنيسةِ الذين حاولوا الترصّد له ولمن يحمله في كلّ مكان، حتى إنهم لم يستثنوا بيتًا ولا حجرًا ولا شجرًا إلا وقلَّبوه بحثًا عن هذا الكتاب، أو كل ما له علاقة به، وانغلقت إسبانيا القرون الوسطى على نفسِها رويْدًا رويْدًا، في محاولة جاهدة لنسيان ذلك العار ـ على حدِّ زعم حكَّامِها ـ المتمثل في حقبتها الإسلامية.

وكانت نتيجة ذلك أن الاهتمام بالإسلام عموما وبالقرآن خصوصًا لم يكن إلا بالقدر الذي كان يهمّ رجال الدين والحكم لضرب الإسلام والمسلمين، ومحاولة البرهنة على (( هرطقتهم ) )، بينما مُنِع العامة من الخوْض في هذا الأمر تحت التهديد بالحديد والنار. وكان من جرّاء ذلك انحسار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت