الصفحة 187 من 214

ولكننا سنجد من تبقى لديه بعض الشبهات التي حالت بينه وبين إدراك مقصد شرعي أو واقع دعوي، فمن الإنصاف أن نتعرض لأشهر ما يتداوله الدعاة من شبهات في هذا الباب لنوفي المقام حقه من التمحيص والدرس.

الشبهة الأولى: يقول الذاهبون إلى بدعية العمل الجماعي إن الأدلة العامة التي أمرت بالاجتماع ونهت عن الفرقة تنص على عدم شرعية التجمعات الدعوية التي تمزق كيان الأمة.

ومنها قوله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم .. } يقولون: إن العمل الجماعي يؤدي إلى التحزب والفرقة بين الجماعة وهذا منهي عنه، فما كان كذلك لا يكون مشروعا.

وهذا الاستدلال غير مستقيم، لأنه يقال: هل مجرد وجود الجماعة وتعاون الأفراد فيما بينهم هو النزاع والافتراق؟ أم أن النزاع أمر خارج وطارئ؟ فإن قلنا بالأول: لزم اطّراح كل النصوص التي تأمر بالاجتماع، وإن قلنا بالثاني: فيقال: لو كانت الطاعة تؤدي إلى مفسدة من قبل البعض فهل هذا يسوغ أن نقول ببدعية الطاعة وعدم مشروعيتها؟!

إننا يجب أن نتبرأ من كل التصرفات التي تتنافى مع الاجتماع والتعاون كالعصبية والحزبية وعقد الولاء والبراء على غير الإسلام، وإذا حدث هذا من بعض الجماعات بل من كل الجماعات فليس هذا دليلا على حرمة الاجتماع وبدعيته، بل يُنهى عن المحرم ويُقَرُّ الصالح على صلاحه، قال تعالى: {ولا تزو وازرة وزر أخرى} وقال: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى} .

الشبهة الثانية: (الأدلة الخاصة) التي تنهى عن التحزب، والصريح في هذا الباب حديث حذيفة بن اليمان الذي رواه البخاري وبوب له في الصحيح فقال: باب: كيف يكون الأمر إذا لم تكن جماعة. ثم روى حديث حذيفة قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: (نعم) . قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: (نعم، وفيه دخن) قلت: وما دخنه؟ قال: (قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر) قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: (نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها) قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: (هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) قلت: فإن لم يكن لهم جماعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت