فهرس الكتاب
ولا إمام؟ قال: (فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) . الحديث.
قالوا: فهذا أمر نبوي صريح باعتزال كل تلك الفرق والجماعات المتناحرة المختلفة حال كون المسلمين فاقدين للإمام الشرعي والجماعة المسلمة الكبرى المنضوية تحت لواء شرع إسلامي وحاكم مسلم.
والجواب عن هذه الشبهة أن قوله صلى الله عليه وسلم: (اعتزل تلك الفرق كلها) يعود إلى أقرب مذكور وهم الدعاة على أبواب جهنم، ولو عاد إلى أبعد منه فهم القوم الذين يهدون بغير هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن كليهما يجب اعتزالهما، كما لا شك أن الجماعات الإسلامية العاملة في حقل الدعوة والمنضوية تحت لواء أهل السنة والجماعة والمستظلة بظل الصحوة الدينية المباركة، والساعية في سبيل إعلاء كلمة الله ليست من الدعاة على أبواب جهنم، وليسوا أيضا ممن يهتدون بغير هدي النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يجوز أن يقال إن (أل) في كلمة (الفرق) للعهد الذهني، لأن اسم الإشارة (تلك) المنوه بما سبق قرينة على تعيين المراد. هذا وجه.
الوجه الثاني: أن الاعتزال لا يكون إلا بعد انعدام الجماعة والإمام، والواقع ليس كذلك، فإن الإمام إذا كان معدوما فلم تنعدم الجماعة المسلمة، فإن زعم زاعم أن الجماعة المسلمة أيضا منعدمة فإننا نحيله على:
الوجه الثالث: قال الحافظ في الفتح: (13/ 41) قال الطبري: والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة. أهـ
تنبيه: قال الطبري بعد النقل السابق: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا من الفرق ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر. أهـ
اتكأ على هذا النقل القائلون ببدعية العمل الجماعي وقالوا بوجوب مفارقة الجماعات العاملة في حقل الدعوة. وليس لهم مستند فيه، لأن مراد الطبري رحمه الله الأحزاب التي تتنافس على الإمارة والإمامة والحكم، ولذلك قال عقبه: خشية من الوقوع في الشر. وهو شر التنافس على الدنيا، لأن السعي إلى الإمامة مذموم شرعا. أما الأحزاب العاملة للدين ولا تتنافس على الإمارة بل تسعى لنصرة الدين والتمكين له فليست على شر، بل هي ساعية في دفعه، وفي جلب الخير المحض، ولا تدخل في النهي عن الاعتزال جزما.