الصفحة 189 من 214

ولسر بديع أعقب البخاري الباب الفائت وهو: كيف الأمر إذا لم تكن جماعة. بباب آخر قال فيه: باب من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم. وساق فيه حديث ابن عباس أن أناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضربه فيقتله، فأنزل الله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم .. } وهذا السر البديع هو أن الأمر بالاعتزال السابق في الباب قبله مشروط بألا يؤدي إلى تكثير سواد المشركين والظالمين وأهل الفتنة والظلم، ولا شك أن تفرق الدعاة وعدم تعاونهم يؤدي إلى تقوية الظالمين ونكايتهم للمؤمنين.

وما أشبه أولئك القائلين باعتزال الجماعات العاملة في حقل الدعوة بأولئك المسلمين الذي بقوا في ديار الكفر وكثروا سواد المشركين. ففي الوقت الذي نرى ملل الكفر تتلاقى على هدم الإسلام وتتناسى خلافاتها لتتفق على مناوأة المسلمين نرى المسلمين عاجزين - حتى - عن التعاون في تكتلات ذات أثر.

الشبهة الثالثة: استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حلف في الإسلام) [1] رواه البخاري ومسلم. قالوا: لا يجوز الانتماء إلى التجمعات الدعوية ولا التعاون معها لأنها أحلاف نهى عنها الشرع ونفى اعتبارها في الإسلام.

والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:

أولها: أن الوقوف عن ظواهر النصوص والتقيد بحرفيتها وإهدار روحها لا يخدم المسألة بل ينحرف بها عن فهم المقصد الشرعي الذي هو أساس الاجتهاد في مسائل النوازل.

ثانيها: أن المراد بالحلف ما كان يتحالف عليه أهل الجاهلية من إيصال الحقوق إلى أربابها، وكان المتحالفون يجمع بينهم آصرة الحلف ويترتب عليها من الحقوق في الإرث والقرابة والزيجة والالتزامات ونحوها ما يتعارض مع الشرع، ويدل لذلك رواية مسلم حيث قال صلى الله عليه وسلم: (لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة) وهو من رواية جبير بن مطعم رضي الله عنه.

(1) لفظ البخاري بإسناده عن عاصم بن سليمان الأحول قال: قلت لأنس بن مالك - رضي الله عنه - أَبَلَغَك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حلف في الإسلام) ؟ فقال: قد حالف النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت