فهرس الكتاب
قال الطبري فيما نقله عنه الحافظ في الفتح: ما استدل به أنس على إثبات الحلف لا ينافي حديث جبير بن مطعم في نفيه، فإن الإخاء المذكور كان في أول الهجرة وكانوا يتوارثون به ثم نسخ من ذلك الميراث وبقي ما لم يبطله القرآن وهو التعاون على الحق والنصر والأخذ على يد الظالم كما قال ابن عباس: إلا النصر والنصيحة والرفادة ويوصى له، وقد ذهب الميراث. ثم نقل عن الخطابي قوله: قال ابن عيينة: حالف بينهم أي آخى بينهم. يريد أن معنى الحلف في الجاهلية معنى الأخوة في الإسلام لكنه في الإسلام جار على أحكام الدين وحدوده، وحلف الجاهلية جرى على ما كانوا يتواضعونه بينهم بآرائهم فبطل منه ما خالف الإسلام وبقي ما عدا ذلك. [1] أهـ
وخلاصة القول أنه قد ورد إثبات الحلف ونفيه، ولا شك أن فهم الصحابي أجدر بالتأسي، وما جمع به الطبري يجري وفق طرق الترجيح ويأتي على نسق قاعدة: الجمع بين الدليلين أولى من إهمال أحدهما. (الإعمال أولى من الإهمال) .
ثالث الوجوه: أن الحلف كلمة مجملة يرجى ممن استدل بها على بدعية العمل الجماعي أن يحد هو معناها، فإن أراد العموم لزم تحريم أي حلف حتى لو كان ذلك الحلف بيعة الإمام الشرعي، وهو معلوم البطلان، وإذا كان التخصيص قد ثبت بالقطع علمنا جواز التخصيص بغيره، والمزعوم: أن عموم النهي أو النفي في حديث (لا حلف في الإسلام) مخصص بآيات حفظ العهود والوفاء بالوعود والعقود، كما أن (لا حلف في الإسلام) قضية مهملة سالبة، والتحقيق أنها لا تفيد سورا معينا، بل قد يراد بها الجزئية وقد يراد بها الكلية، ومع هذا الأجمال في السور نلجأ إلى التخصيص بدليل آخر وهو ما فعله أنس بن مالك رحمه الله، فقد فهم الراوي أن (لا حلف في الإسلام) بقوة: كل حلف في الإسلام منهي عنه، فصحح له أنس سور القضية قائلا: قد حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داري، وكأن أنسا رضي الله عنه أراد أن يصحح مدلول الحديث كالآتي: بعض الحلف في الإسلام منهي عنه. وهو ما أكده الطبري رحمه الله في جمعه بين حديث النفي والإثبات.
ولا مجال لادعاء أن (لا) نافية للجنس وهي تفيد القطع في نفي كل مفردات اللفظ، وهي عند الأصوليين تفيد العموم ولا ريب، بيد أن عموم النفي مسلط على الجنس المعهود (وهو الحلف
(1) انظر الفتح (4/ 553) فما بعده.