الصفحة 37 من 214

وليس على الدعاة من بأس إن هم حاولوا صقل تجاربهم بمثل هذه العلوم والقراءات التي وإن لم يستفيدوا منها في دعوتهم فلا شك أنها ستفيدهم في أمور دنياهم لا محالة.

بل إنه يمكننا أن نمثل لإشكاليتنا بأمثلة أعمق في آلامها ونتائجها، ألا وهي قضية خلق الداعية، فإنه مما لا شك فيه أن ثمة تقصيرا حادا على مستوى الأفراد والجماعات في تلقين الدعاة المثل الأخلاقية العليا التي تليق بدعاة الإسلام والمتحدثين باسمه بين الناس.

وإنه لمن الطبعي أن نجد بعض الدعاة يأتي أفعالا هي في عرف الشرع من المباح الذي لا إثم فيه ولكنها في بعض الأعراف من المستشنعات، والعادة محكّمة، وسيحتاج الداعية حتما حينئذ إلى تهذيب بعض عاداته حتى يدرأ المطاعن عن نفسه وعن الدين، فالجهلاء أعداء أنفسهم، وهؤلاء وغيرهم من أعداء الدين متربصون بالدعاة يعدون عليهم هناتهم، فما أحرانا أن نقطع على هؤلاء محاولاتهم ونقدم لهم نماذج دعوية تبهر العقول والألباب.

والعجيب أن مثل هذا التلقين - أعني تلقين الأخلاق - كان سلفنا وعلماؤنا يجعلونه علما مستقلا يدرس في حلقاتهم، وكانت لهم مؤلفات حافلة في علم الآداب حوت المنظومات الألفية وشروحها وتناولت أدق تفاصيل الآداب حتى إنهم تعرضوا لآداب استعارة الكتب وآداب المسلم في السوق وفي الشارع على نحو ما تراه في كتاب الجامع في الآداب للشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله، وقد رأيت متنا مشروحا في آداب النكاح والزواج لأحد المالكية ينبئ أن تراثنا جمع فأوعى [1] .

وفي قضية احتراف خدمة الدين: لا أريد أن أعقد المشاكل أو أن ألزم الدعاة بما لا يلزمهم شرعا، فإنني لا أماري في أن في شرع الله غنية عن كل شيء، ولكن شرع الله نفسه قد حض على المعرفة وبارك أهل التخصص وألزم الناس بالرجوع إليهم والاعتداد برأيهم ومشورتهم [2] .

والمنصف لا يمكن أن يتخيل مفتيا في مسائل الاقتصاد والتجارة لا يعرف في عرف التجار والاقتصاديين نقيرا، كما لا يمكن أن نأخذ بقول من يفتي الناس في الفرائض حال كونه لا يحسن حساب الكسور.

(1) وأكثر من حفل بهذا العلم (علم الآداب) هم الحنابلة، فلقد كان علماؤهم أكثر الناس تصنيفا في هذا العلم، ويمكنك مطالعة جهدهم في هذا الصدد كتاب (المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل) لعبد القادر بدران، ونذكر من كتب الحنابلة في علم الآداب: كتاب الآداب الشرعية لابن مفلح وغذاء اللباب في شرح منظومة الآداب للنابلسي.

(2) راجع الطريقة الثلاثون لخدمة الدين (المؤتمرات) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت