فهرس الكتاب
ولو تجاوزنا القضايا الجزئية في جانب احتراف الدين إلى القضايا الكبرى العامة، كقضية الصراع الحضاري بين الإسلام والأيديولجيات الأرضية فإننا سنبصر هوة سحيقة تفصل بين الحركات التي تتبنى موقف الإسلام وبين خصومها المختلفين.
إن اليهود عندما فكروا في إقامة دولتهم، وحددوا موقعها على خريطة العالم، بل وحددوا موعد إعلان تلك الدولة، لم يعيشوا بعدها معيشة الحالم المتمني، بل تناسب البذل مع ضخامة المهمة، ولا أعتقد أن وعد بلفور هو الذي أفرز الكيان وأوجده على وجه الأرض، بل تحديد الأهداف والتخطيط السليم والتنفيذ الدقيق والمتابعة المستمرة هي التي أعطت اليهود حق الوجود، وتأمل قوله تعالى: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا} . إن إسرائيل لم تنتظر من الأمريكان أن يدافعوا عنها، بل ولم تعتمد على أسلحتهم أبد الدهر، فقد كونت جيشها من خلّص اليهود، وتبنت عقيدة عسكرية واضحة المعالم، وسعت لتطوير تقنية صناعتها العسكرية، وجعلت الرافد الذي يغذي كل ذلك اقتصاد قوي مرموق، حتى أضحت تلك الدولة اللقيطة في خمسين عاما أقوى دولة في المنطقة اقتصاديا وعسكريا، وأصبح متوسط الدخل في هذا الكيان من أعلى المستويات.
وأنا أهمس إلى كل المسلمين بمزايا أخرى أقامت هذه الدولة على ساق قوية، ألا وهو تبنيها لمبادئ في الحرية والعدل وصيانة حقوق الإنسان لا يوجد في غيرها من بلدان المنطقة. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الله يقيم دولة العدل وإن كانت كافرة ويديل دولة الظلم وإن كانت مسلمة. معنى كلامه رحمه الله.
ولا أظن دعاة الإسلام يرضون أن يواجهوا هذا المعترك العالمي والخضم الدولي بكيانات هشة، وإمكانيات متواضعة، فكان لزاما قبل كل شيء أن تبث عقيدة الاحتراف في صفوف الدعاة جماعة وأفرادا، بحيث نصل إلى المستوى الذي يستنكف معه الداعية أن يؤدي عملا دون أن يعد له العدة المطلوبة، فيكون بذلك معظما لشعائر الله صادق الغيرة على دينه.