والخلل هو أن تُهْمَلَ تلك النفس البشرية، ويُهْمَلَ تدريبُها، ويَرْضَى مَنْ حولَها بمستواها الدون، وإذا ما حاولت أمرا ترقّب الناس فشلها كأنه أجل محتوم.
إن هذه هي المصيبة، والرُّزْءُ المُعْضِل، إن رجالَ أمتي كُثُرٌ، وأبطالَها موفورون، وكُمَاتَها يملئون الأفق، ولكن أحدا لم يُجرِّبْهم، كما أن أحدا لم يُكَلِّفْهم، كما أن أحدا لم يكتشفْهم.
فتوالت الأجيال على هذه الوتيرة من الإهمال والتناسي، حتى تولّد في الشعور الجَمْعي تلك البَلادةُ التي ذكرتها، وصار اليأسُ طَبْعًا، والقنوطُ سَجِيّةً وخُلُقًا، ولم يُجْدِ مع هذا الداء دواء.
واسْتيقنْت أن شباب الإسلام يجب أن يُولَدوا ولادة جديدة، ويتلقّوا عقائدهم الاجتماعية من جديد حتى تَزْدان نفوسُهم بفطرة سَوِيّة، قابلةٍ لتَلقّي أوامر الشرع، بل قادرة على فَهْم ما يدور حولها من كيد ومكر.
وصار دَيْدَني وهِجِّيرَايَ اسْتنفار شبيبة الإسلام لتكذيب دعوى اليهود أن محمد صلى الله عليه وسلم خلف بنات. وكانت محاوراتي مع كل مَن حولي حول ضرورة تدريب كوادر الدعوة على الدعوة، وضرورة احتراف خدمة الدين عبر إيجاد الجيل الدعوي الحاذق المحترف المدرب على كل المهارات الدعوية.
ووجدت في البداية صدودًا، ثم تَعَاظم الاقتناع بالفكرة لولا عوائق خارجة عن إرادة الدعاة، وقلت في نفسي: إن الأمر لا يكفي فيه مجردُ الاقتناع، بل لا بد أن يعمل الدعاة جميعا على الرُّقِيِّ بمستواهم فعلا، وأن تكون خدمة الدين هَمًَّا شاغلا، وليست هوايةً تُمَارَس في أوقات الفراغ.
وعملْتُ على أن تكون كل كتاباتي ومحاضراتي عمليّةً وواقعيّة، تشخّص الداء، وتحلّل الواقع، وتقترح الدواء المناسب، وكيفية تناول ذلك الدواء، وأحسَب أن هذا المسلك هو ما ينبغي أن يتبناه كل الدعاة في كتاباتهم ومحاضراتهم. فإن قضايا الدين لم تَعُدْ تحتمل التعميم والإطلاق، ومشكلات الأمة ما عادت تصبر على التحليلات الجُزَافِيّة، والتقديرات الهُلامية، والمعالجات السطْحية، بل تحتاج إلى تفصيل، وتَرْنو إلى منهج دقيق للخروج من الأزمة.
وبين يديك أيها القارئ: محاولة بَدائيّة، أُجاري فيها آمالي، وأُناطِح فيها أحلامي، أَدَعُ السرابَ للهائمِ في الفَيافي بلا مَقْصِد، وأُيَمِّمُ وجهي نحو الماء القُراح سالكا الجادّة السويّة والفَجَّ الموصِل للمراد.
ثلاثون طريقة لخدمة الدين، انتقيتُها لتكون أُنْموذَجا للطُّرُق الأخرى التي لم أذكرْها، بأن تسْلُك على منوالها في الفَهم والتقعيد والتطبيق، ولِتَقْطَعَ المعاذير على شيطانك وهواك ونفسك الأمّارة