الصفحة 44 من 214

وقضية الإخلاص بالنسبة للدعاة وحملة الدين تأخذ غورا لا تسعفه العبارات الساذجة، أو الإيضاحات العادية، فهو يحتاج إلى شفافية روحية توقن بكرامة الله لأوليائه وتعتقد أن القلب هو محل نظر الإله من العبد.

فإذا ما توارد على الداعية المخلص شيء من كدر الحياة لجأ إلى تصفية شوائب المقاصد ليقينه أن ثمة علاقة طردية بين التوفيق الإلهي وبين سلامة النية وحسن الطوية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: (إنك لن تُخَلَّف [1] فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به خيرا ودرجة ورفعة) .

لاجرم أن الآيات القرآنية - مكيها ومدنيها - تواطأت على تأكيد أهمية النية وجلالة شأنها. قال تعالى: {فاعبد الله مخلصا له الدين إلا لله الدين الخالص} وقال عز من قائل: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} وقال: {قل الله أعبد مخلصا له ديني} وقال: {وادعوه مخلصين له الدين} وقال: {فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون} وقال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} ، ذلك الدين القويم أن نطيع الله مخلصين ونعبده مصححين للقصد والإرادة.

بل إن في الإخلاص من البركة العائدة على محيط الدعاة وصفاء الود ونقاء السيرة بينهم ما يدعو إلى العجب، ومصداق ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث لا يُغَلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط بهم من ورائهم) . يقول ابن القيم- رحمه الله: إي لا يبقى فيه غل، ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة بل تنفي عنه غله وتنقيه منه، وتخرجه عنه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة، فهذه الثلاثة تملؤه غِلا ودغلا، ودواء هذا الدغل واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة السنة ... ثم يقول ابن القيم - في معرض كلامه عن تعريف الإخلاص: وقد تنوعت عبارتهم في الإخلاص والصدق والقصد، فقيل: هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة. وقيل: تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، وقيل:

(1) أي تبقى في مكة، وكانت هذه الحادثة بعد فتح مكة، ومرض سعد وخشي أن يبقى بمكة ويتخلف عن اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم فبشره الرسول صلى الله عليه وسلم أن التخلف ليس بمقعد إياه عن العمل النافع المقارن للنية الصالحة فيحصل له السبق وإن لم يرجع إلى دار الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت