فهرس الكتاب
أو لحظه، فكيف التفات قلبه إلى ما سوى الله؟ هذا اعظم نصيب الشيطان من العبودية، قال ابن مسعود: لا يجعل أحدكم للشيطان حظا من صلاته، يرى أن حقا عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه. فجعل هذا القدر اليسير حظا ونصيبا للشيطان من العبد، فما الظن بما فوقه؟ وأما حظ النفس من العمل فلا يعرفه إلا أهل البصائر الصادقون. الثاني: علمه لما يستحقه الرب جل جلاله من حقوق العبودية، وآدابها الظاهرة والباطنة، وشروطها، وأن العبد أضعف وأعجز وأقل من أن يوفيها حقا، وأن يرضى بها لربه، فالعارف لا يرضى بشيء من عمله لربه، ولا يرضى نفسه لله طرفة عين، ويستحيي من مقابلة الله بعمله. فسوء ظنه بنفسه وعمله وبغضه لها وكراهته لأنفاسه وصعودها لله يحول بينه وبين الرضا بعمله والرضا عن نفسه. وقال بعضهم: آفة العبد ورضاه عن نفسه، ومن لم يتهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور. وقيل: لا بد من الخجل من العمل، مع بذل المجهود. فمن إخلاص العابد خجله من عمله، وهو شدة حيائه من الله إذا لم ير ذلك العمل صالحا له مع بذل مجهوده، قال تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هو الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه) [1] . أهـ
وأنت ترى مما نقلته عن ابن القيم فقه رياضة النفس في:
(1) تحضير الإخلاص وتقويته في القلب.
(2) ودرء الشرك والرياء والسمعة والعجب، ولا ريب أن الدعاة إلى الله تبارك وتعالى أقوى الخلق قلوبا وأنقاهم أفئدة وأصفاهم سريرة، لأنهم موصولون بالوحي المطهر في نذارتهم الخلق وتعبدهم لربهم به.
وقد تيقنت من تجربتي في الدعوة أن الدعاة من أحوج الناس وأقربهم إلى الله تبارك وتعالى، فقلوبهم مملوءة بالشفقة على المسلمين ورغبتهم (الدعاة) في هداية الخلق، وقد علموا بالاضطرار أيضا أن الهداية في يد الله تعالى، فتكامل اضطرارهم إلى الله تعالى أن يجعل الهداية متحققة بسببهم، ولن يجدوا صعوبة - إن شاء الله - في تطهير قلوبهم من عوالق الرياء وعوائق الشرك.
وحري بالدعاة أن يتعهدوا قلوبهم على الدوام مفتشين عن رواسب الهوى وبقايا الدغل الذي يتخلل ثنايا النيات القلبية، وأخطرها الذي يتغلف بقصد سوي معتبر زيّنه له هواه فاتبعه،
(1) تهذيب مدارج السالكين: (1/ 515) فما بعده.