الصفحة 47 من 214

فإنها والله القاصمة، قال تعالى: {أفرأيت من اتبع إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا} ، وقال: {أفمن زين به سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} .

ويتعاظم دور إبليس اللعين في تزيين المقاصد الخبيثة وإلباسها خلعة الولاية وزينة الإخلاص ونزاهة الضمير، فيحس الداعية بالطهارة والبراءة حال كونه متلبسا بأعظم زور وأشنع بهتان، وما أتعس الذي يدعو إلى نفسه زاعما أنه يدعوا إلى الله، يدل الخلق إلى ذاته متزلفا إليهم بصورة الداعية المخلص. إن مثل هذا النوع قليل بين الدعاة، ووالله ليسوا من الدعاة، ولكن داءهم لم ينج منه داع بل مسلم، وأي نفس تلك التي لا ترجو لنفسها عزا وجاها وسلطانا، كل نفوس الخلق تطلبه، ولكن ما أعظم تلك النفس التي تتصدر عند البذل وتتوارى عند المغانم وتعف، إنها النفس المخلصة التي تمحض بذلها لربها، فلسان حالها يقول: {لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا} .

لقد كان السلف الصالح لا يستحيون من مواجهة أنفسهم بنياتهم السيئة وما أكثر ما رأيناهم يكلمون ويحذرون أنفسهم من نية خبيثة تسللت على حين غرة وولجت في سانحة غفلة، ولم يتحرجوا رحمهم الله من التصريح بهذه النية التي تسللت ليعلموا الأجيال كيف يكون الإخلاص والتجرد، فجزاهم الله عن الأمة خيرا.

ومن أهم ما يجب أن ننبه له الدعاة على كل مستوياتهم أن قضية الإخلاص على خطورتها ليس من جنس ما لا يطاق أو من قبيل ما يعسر على المكلفين إتيانه، وإلا ما كلفهم الله به وجعله ركنا في قبول الأعمال، إذ لا يكلف الله ولا يأمر إلا بما هو داخل في حيز استطاعة المكلفين كما معلوم في محله، وما ورد عن بعض السلف من صعوبة الإخلاص وأنه عزيز وعسير فمحمول على استحضار الإخلاص مع وجود وَالِجَاتِ الهوى ونوازع الإرادة الخبيثة، أو أنه محمول على التبرؤ من الإخلاص لأن ادعاءه دليل عدمه، وإلا فإن متواتر سيرة الصحابة - وهم أقل الناس تكلفا - يثبت أنهم كانوا يعالجون قلوبهم هونا، ولم يتجشموا معارك وهمية مع النفس والهوى، فينصرف الهم حينئذ للتفتيش عن عدو داخلي خيالي وينسى معركته الأساسية مع الأعداء الخارجيين. وقد كان مما ذُم به الحارث المحاسبي يرحمه الله كثرة كلامه في النيات على غير طريقة السلف ففي سير أعلام النبلاء للذهبي (13/ 112) قال: قال سعيد بن عمرو البرذعي شهدت أبا زرعة الرازي وسئل عن المحاسبي وكتبه فقال إياك وهذه الكتب هذه كتب بدع وضلالات عليك بالأثر تجد غنية هل بلغكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت