فهرس الكتاب
أن مالكا والثوري والأوزاعي صنفوا في الخطرات والوساوس، ما أسرع الناس إلى البدع. أهـ ولا أستريب أن في كلام أبي زرعة شدة بيد أن المفهوم من كلامه أن السلف لم يكونوا يعالجون نياتهم على نحو ما ورد في الرعاية ونحوها من كتب المحاسبي، ولابن القيم وابن كثير كلام مشابه لا يحضرني ذكره.
وقد نبهت على هذا الأمر لأنه كثر بين شباب الصحوة من يتنصل من العمل للدين بزعم خوف الرياء والسمعة وعزة الإخلاص ونحو ذلك من المعاذير الساذجة التي يمليها عليهم شيطان مريد أو نفس عاجزة كسول. فيضيع الدين بين ورع كاذب وكسل مقنع.
ولولا هذا الداء الذي استشرى وتولى كبره زمرة من الناس زعموه الدين الخالص فحذروا الشباب من التصدر دفعا للرياء ومنعوا المبتدئين من الدعوة بزعم ضرورة التحصرم قبل التزبب، أقول: لولا استشراء هذا الداء لما أوليت هذا الشأن اهتماما ولما ألقيت إليه بالا، لأن الأصل اتهام النية ومحاسبة الدواخل وعدم تزكية النفس، ولكنني رأيت الأمر أمرا منكرا، وأبصرت طاقات هائلة من شبيبة الدين تتخاذل عن البذل وتتوارى عن المصافة في كتائب الحق، وتنزوي في صوامع التزكية (زعموا) ، وتترك مناجزة الباطل وأهله بدعوى إصلاح النية والخوف من فساد القلب بالتصدر، حتى خلا الجو لأهل البدعة والكفر، وصدق فيهم قول القديم:
خلا لك الجو فبيضي واصفري ... ونقري ما شئت أن تنقري
وبينما نرى هذا النكوص يقنن في صفوف شباب الصحوة نرى نبتة الكفر تترعرع على أكتاف شبيبة يعدون إعدادا جيدا ويتصدرون في المحافل داعين إلى كفرهم مدافعين عن باطلهم، وأخسر بها من صفقة أن تعمر دور العبادة بالركع السجد بينما الباطل يجول جولته ويصول صولته في ميادين الثقافة والاقتصاد والسياسة، وقد نادى القرآن أهل الإيمان نداء صارما وأوضح حقيقة الصفقة بين العباد وربهم، فقال تعالى {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} وقال {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن} .
وقد نص أئمتنا على ضرورة التصدر في زمان الفتن وعند غلبة الأهواء، وفي أبواب القضاء من كتب الفقه تجد نصا صريحا بلزوم السعي لمنصب القضاء إذا تعين أو رأى من تعين عليه القضاء