فهرس الكتاب
تصدر المفسدين وتطاولهم للحصول عليه [1] ، بل تجد أن بعض الفقهاء رخص في دفع البرطيل (الرشوة) لنوال منصب القضاء إذا تعين، وعللوا ذلك بأن في تسنم القضاء رجل جاهل أو مبتدع أو فاسق مفسدةً تربو على مفسدة الرشوة، وفي حصولها لمن هو أحق بها وأهلها مصالحَ تربو على مصلحة الزهادة في هذا المنصب كما هو شأن السلف (أعني زهادتهم في مناصب الدولة) .
ولنا في مسلك النبي يوسف عليه السلام - حين علم تأهله لعلاج الخطر المحدق بالبلاد - مدكرٌ وأسوة، فقالها غَيْرَ وَجِلٍ: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} . وأولئكم فتية أهل الكهف {قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا} . وإبراهيم كسر الأصنام وواجه انتفاشة الكفر وهو بعد غض الإهاب فكان يسفه الأصنام ويبين عوار مسلك من يعبدها حتى تسامع الناس بدعوته فقالوا {سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} . ولم يخش الرسول صلى الله عليه وسلم على علي بن أبي طالب من زهو الأبطال وخيلاء الشجعان غداة قتل عمرو بن وُدٍّ في غزوة الخندق وقد عجز عن ذلك العتل خيرة الكماة من الصحابة.
نعم: ينبغي التحرز من تصدير من عرف بطره وكبره وحبه للوجاهة والمنصب، لأن الولايات الشرعية لا تقلد لمن طلبها كما تقرر في السياسة الشرعية ولأن المفسدة التي قد يحدثها صاحب العجب والكبر بالناس أعظم من مصلحة توليه وإن كان ذا كفاءة ودراية.
ولا جناح أن نولي ونصدر من يخشى عليه العجب والكبر - ومن الذي لا يخشى عليه ذلك؟ - إذا كان هناك منهج رشيد في تلافي ولوج تلكم الأمراض إليه، أو كانت المصلحة في توليه تربو على مفسدة مرض نفسه.
وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان بن حرب غداة فتح مكة شيئا لأنه يحب الذكر، ولم يقل: بل نحميه من الكبر والعجب ونحو ذلك، وولى أسامة بن زيد قبل وفاته وأنفذه إلى الشام في ركب حوى كبار البدريين من المهاجرين والأنصار.
(1) قال النووي في روضة الطالبين (11/ 94) : فرع: ما ذكرناه هو حكم الطلب بلا بذل، فلو بذل مالا، قال ابن القاص وآخرون: إنه حرام وقضاؤه مردود، والصحيح تفصيل ذكره الروياني: وهو أنه إن تعين عليه القضاء أو كان ممن يستحب له فله بذل المال ولكن الآخذ ظالم بالأخذ، وهذا كما إذا تعذر الأمر بالمعروف إلا ببذل مال وإن لم يتعين ولم يكن مستحبا جاز له بذل المال ليتولى، ويجوز له البذل بعد التولية لئلا يعزل، والآخذ ظالم بالأخذ، وأما بذل المال لعزل قاض فإن لم يكن بصفة القضاة (أي لم يكن أهلا للقضاء) فمستحب لما فيه من تخليص الناس منه ولكن أخذه حرام على الآخذ، وإن كان بصفتهم (أي أهلا للقضاء) فحرام، فإن فعل وعُزل الأول ووَلِيَ الباذل قال ابن القاص: توليته باطلة والمعزول على قضائه، لأن العزل بالرشوة حرام، وتولية المرشي (كذا) والراشي حرام وليكن هذا عند تمهد الأصول الشرعية، فأما عند الضرورات وظهور الفتن فلا بد من تنفيذ العزل والتولية جميعا كتولية البغاة. أهـ