فهرس الكتاب
ولقد أذن للشافعي في الإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة، وحدث أبو زرعة الرازي في الثانية والثلاثين، وأُخذ عن البخاري ولما يخضر شاربه، وأفتى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وجلس للإفادة والتدريس ولما يبلغ الخامسة والعشرين.
وقد تقرر أن اليقين لا يزول بالشك، واليقين الذي يجب وجوده لتولية المستورين أو الأغمار أو من يخشى عليهم أمراض القلوب من صغار السن أو التجربة: أن تحتدم المعركة بين أهل الإسلام وملة الكفر، وتتعاظم الفروض والتكاليف ويقل الناصر والمعين، وأن يكون في المولَّى من الكفاءة والأهلية والاحتياج إليه ما ينفي الغضاضة من توليه.
وقد احتج القائلون بضرورة رعاية أحوال القلوب عند تولية الولايات الشرعية بعزل عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد رضي الله عنهما عن إمرة الجيوش الإسلامية وتولية أبي عبيدة مكانه.
والجواب عن ذلك أنه لاشك أن رعاية أحوال القلوب من أجل ما يعتني به السالكون إلى الله، ومن أهم ما ينبغي أن يولى من الاهتمام عند الدعاة والمربين، بيد أن عزل عمر لخالد أملته مصالح شرعية أخرى، واقتضته مجريات الحوادث، ونظرة عمر بن الخطاب إلى مستقبل الجيوش الإسلامية، ومستقبل الفتوح أيضا. وقد أثبتت العسكرية الحديثة أن القيادة لابد أن تتجدد درءا للرجعية التي تفسد مشروعات التطوير، ومنعا لاستقطاب قيادي داخل المؤسسة العسكرية، ودفعا لأطماع القيادات في الاستحواذ بتدبير أمور الجيش، إذ تجنح نفسية القائد العسكري للديكتاتورية وتشمئز من الشورى كما علم من تجارب الأمم.
ولا شك أن كلامي لا يفهم منه قدح في عمر أو خالد، فهما من هما، ولكن قراءة متأنية في ملف القضية ينبيك بأن العزل اقتضته أمور جليلة ارتآها عمر، ولا يمكن أن نستدل بالحادثة على ما نحن فيه من منع تصدر المتأهلين في مناصب الدعوة خوفا عليهم من الرياء والسمعة والعجب.
ومن قبيل ما نحن فيه: دفن العبقريات ومواراة الأفذاذ خلف الكواليس بدافع الحسد والخوف على الجاه، وكم رأينا من عناصر شابة صاعدة رزقت البركة والتوفيق في العلم والعمل، فحيل بينها وبين التنامي لأن جلالة المناصب التي كانوا سيتأهلون لها - في نظر كبرائهم - لا تناسب أسنانهم.