الصفحة 51 من 214

وقد شكا إليّ أحد طلبة العلم أن أستاذه الذي يشرف على رسالته في الماجستير يأمره بالتمهل لأن سنه - خمسة وعشرون آنذاك - صغيرة على هذه الدرجة العلمية وأنه لم ينلها أحد في كليته في هذا العمر.

أعود للتأكيد أنني لا أماري في خطورة أمر النيات وأحوال القلوب وضرورة تزكيتها وحمايتها من حمأة الأمراض والآفات وفورة حب الرياسة والتصدر، ولكننا نعالج ذات المرض فيمن يمنعون الشبيبة من خدمة الدين والبذل له حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم أن في تصدرهم خطورة على وجاهتهم.

والسؤال الذي لا بد أن أسمعه، كما لا بد أن أجيب عليه: هل تريد إذا أن نولي الأحداث وصغار السن مناصب تحتاج إلى الحنكة والخبرة وطول التجربة؟ وهل تريد أن نترك المجال فسيحا لكل ذي هوى مغرض أن يتسنم مناصب الدعوة فيحدث من الفتنة - بما في قلبه من الفتنة - ما تُصطلم معه روح الجماعية بين الدعاة؟ وقد علمنا كم جر أولئك الأغمار على الدعوة من ويلات بسبب فتاواهم الجريئة المتسرعة، وخطواتهم الدعوية غير المحسوبة، وافتقادهم لآداب العلماء وخصال الأئمة، وبعدهم عن الروية والأناة.

والجواب أن المرض يعالج، والأضرار الدعوية نتلافها، ولا تبتر الأعضاء النافعة بزعم الخوف عليها من التلف إذا عملت، ولا توأد الطاقات بزعم حمايتها من فورتها ونشاطها.

إن العلم النافع والعمل الصالح والدعوة المخلصة أمور كفيلة بتنقية القلوب من كل دغل، وقد نص القرآن على أن الدعوة من أحسن القول: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} . ورقابة القادة والعلماء وتربيتهم لصغار السن ضامن من ولوج الهوى إلى نفوسهم. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وقد مر معنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط بهم من ورائهم) .

ولم يقل أحد من أهل العلم أن علاج الرياء وآفات العمل بترك العمل، بل المنقول عن السلف أن ترك العمل لأجل الناس رياء، ومثل الذي يهجر العمل أو يمنع الناس منه خشية على القلوب من آفاتها كمثل من ترك الطعام والشراب خوفا من الجراثيم الكامنة فيها، أو كمثل من هجر الناس ولم يلامسهم خوفا من عدوى الأمراض وانتقال الحمى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت